السودان بين تخدير الرباعية وسعير السلاح

هل تحولت حرب السودان إلى مشروع استثماري دولي؟

بقلم أحمد عثمان محمد المبارك 

إستناداً إلى التقرير الذي أوردته مجلة أفق جديد حول تحول السودان إلى ميدان رماية إقليمي ودخول صفقات سلاح مليارية إلى المشهد، يبرز تساؤل جوهري حول الدور الذي تلعبه القوى الدولية. فبينما يشتعل الميدان بأسلحة حديثة تتدفق بتمويل خارجي مشبوه، يبدو أن ما يُمارس في الغرف الدبلوماسية ليس إلا عملية تخدير منظمة للشعب السوداني المكلوم.

يمثل الموقف الدولي الحالي، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تقود المبادرة الرباعية، حالة من الازدواجية الصارخة. إن كثرة النظر إلى تصريحات مستشار الإدارة الأمريكية والتعلق بوعود إيقاف الحرب بجرّة قلم باتت تمثل تخديراً حقيقياً للسودانيين الذين لا يرون من هذه التصريحات إلا الحبر على الورق. فبينما يضج الفضاء الإعلامي ببيانات القلق والاجتماعات الرفيعة، تمر صفقات السلاح الكبرى (كالصفقة الباكستانية الأخيرة) تحت سمع وبصر هذه الدول، مما يثبت أن الضجيج الواشنطني ليس إلا ستاراً يغطي على العجز أو الرغبة الضمنية في إدارة الأزمة لا حلها. إن استمرار الاجتماعات دون فعل حقيقي على الأرض يضع الرباعية في خانة الشريك الصامت في إطالة أمد الصراع.

لقد كشف تحليل “أفق جديد” عن صفقات سلاح بمليارات الدولارات، وهو ما يطرح سؤالاً يحرج المبادرة الرباعية، كيف تمر هذه الأموال والمنظومات العسكرية في ظل نظام مالي عالمي تقوده واشنطن؟ إن المال الخارجي الذي يغذي الحرب هو ضرورة حسابية تؤكد أن الممولين الدوليين والإقليميين يتحركون بحرية كاملة، بينما تكتفي القوى الكبرى بإصدار بيانات وقف الدعم الخارجي دون اتخاذ خطوة عملية واحدة لتجفيف منابع التمويل أو فرض عقوبات حقيقية على الموردين، مما يجعل من تصريحات السلام مجرد صدى فارغ في فضاء المأساة.

إن تحويل السودان إلى ساحة اختبار لأسلحة الآخرين هو النتيجة المباشرة للفراغ الذي تركه غياب الإرادة الدولية الحقيقية، لتصبح الأطراف المحلية أصبحت أدوات تنفيذ لتمويل خارجي لا يهدف للحسم، بل للحفاظ على توازن هش يخدم مصالح الممولين. وهنا تكمن المفارقة؛ فالرباعية الدولية التي تدعي السعي للسلام، تدرك تماماً أن السلاح المتدفق هو الذي يكتب قواعد الاشتباك، ومع ذلك تكتفي بالدعوات الأخلاقية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، مما يعزز فرضية أن الحرب باتت مشروعاً يُراد له الاستمرار بعيداً عن أمن المواطن السوداني.

وبالنظر إلى ما وراء الأفق، يتضح أن السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب؟، بل إلى متى سيظل المجتمع الدولي يمارس سياسة التخدير؟. 

إن الرهان على تصريحات الرباعية الدولية دون رؤية خطوات عملية لوقف تدفق السلاح هو رهان على السراب. فالحرب في السودان باتت دائرة مغلقة يُراد لها ألا تنتهي بحسم أو بسلام، طالما أن الضجيج الفارغ هو بضاعة الدبلوماسية الوحيدة، وطالما أن السودان يُعامل كمساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة. إن كسر هذا النمط يتطلب وعياً بأن السلام لا يأتي من غرف التخدير الدولية، بل بوقف تحويل السودان إلى ميدان رماية لمصالح الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى