السودان بين هدنة معلّقة ومعاناة مفتوحة ماذا بعد الرسائل الأمريكية؟

 حاتم أيوب أبو الحسن 

في لحظة يثقل فيها التعب كاهل السودانيين، جاءت التصريحات الأمريكية علي لسان المبعوث بوليس  لتضع حدًا للتأويل: لا اعتراف بكيان موازٍ للدولة، والتعاطي الدولي سيظل محكومًا بإطار الحكومة القائمة، فيما تمضي المجموعة الرباعية نحو هدنة قريبة. كلمات محسوبة بدقة، لكنها تترك سؤالًا مفتوحًا حول مصير بلد أنهكته الحرب، وشعب يدفع ثمن الإنتظار من دمه ولقمة عيشه.

هذه الرسائل لا تبشّر بحل قريب بقدر ما تكشف عن نهج لإدارة الأزمة. فرفض الإعتراف بأي سلطة موازية يعني عمليًا تجميد المسار السياسي عند نقطة بعينها؛ لا تقدم نحو تسوية شاملة، ولا انحياز حاسم لأي طرف. هو تثبيت للواقع القائم، مع محاولة لمنع انزلاق السودان إلى سيناريو التفكك القانوني والدستوري. في هذا السياق، تتحول “الشرعية” إلى أداة ضبط دولية أكثر منها مدخلًا لإعادة بناء الدولة.

أما الهدنة المتوقعة، فليست سلامًا بقدر ما هي هدنة ضرورة. وقف إطلاق نار محدود، ومسارات إنسانية مؤقتة، وخفض نسبي لحدة القتال، دون معالجة حقيقية لجذور الصراع أو إعادة هيكلة المشهدين السياسي والعسكري. الخطر الحقيقي أن تتحول الهدنة إلى استراحة لإعادة التموضع، تُدار خلالها الحرب بأدوات أقل صخبًا وأكثر استنزافًا، بينما يظل المدنيون عالقين بين خوف مؤجل وجوع مستمر.

الجانب الإنساني يبقى الحلقة الأضعف والأكثر إلحاحًا. فحتى لو صمتت المدافع مؤقتًا، لن يتوقف النزوح بين ليلة وضحاها، ولن تعود الخدمات المنهارة، ولن تُرمم الثقة المكسورة. المدن التي تحولت إلى مساحات نجاة مؤقتة ستظل تعيش على المساعدات، والريف سيبقى هشًا أمام أي انتكاسة أمنية. إن إدارة الأزمة دون خطة إنقاذ إنساني شاملة تعني ببساطة إطالة عمر المعاناة، لا تخفيفها.

في العمق، تكشف التصريحات الأمريكية عن مقاربة دولية ترى السودان ملفًا ينبغي احتواؤه لا حسمه، وإدارته لا معالجة أسبابه. هذه المقاربة قد تمنع الأسوأ، لكنها لا تصنع الأفضل؛ فهي تؤجل الانفجار بدل تفكيكه، وتراهن على إنهاك الأطراف بدل فرض مسار سياسي جاد يضع المدنيين في قلب الحل لا على هامشه.

ومع ذلك، لا تخلو اللحظة من نافذة ضيقة للأمل. فالإرهاق العام، واتساع الوعي الشعبي بكلفة الحرب، وتراجع الرهانات على الحسم العسكري، كلها عوامل قد تدفع نحو ضغط داخلي حقيقي لوقف النزيف. غير أن هذا الأمل يظل مشروطًا بقدرة السودانيين على بناء موقف مدني جامع، يفرض نفسه على الداخل والخارج معًا، ويكسر معادلة أن مصير البلاد يُدار من فوق رؤوس أهلها.

الأيام القادمة، إذن، لا تحمل وعد الخلاص السريع، لكنها قد تحدد اتجاه البوصلة: إما هدنة تتحول إلى بوابة سلام حقيقي بإرادة سودانية وضمانات دولية جادة، أو هدنة تُستهلك في تدوير الأزمة، بينما يواصل السودانيون العيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام. وفي هذه المساحة القاسية، يبقى السؤال الأخطر معلّقًا: هل تتحول معاناة الناس إلى قوة تغيير، أم تظل مجرد أرقام في تقارير تُدار بها الأزمة إلى أجل غير معلوم؟

  كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى