دماء على حافة النھر ..

عادل يعقوب 

ھذا الدخان الكثيف المتصاعد من فوھات  المدافع و عجاج أثر عجلات المركبات القتالية و أصوات الدانات وھدير الھاوزر مع جلبة العسكر و صياح  منحازينھم ،  لغتھم التافهة الموغلة في وحل الألفاظ الفظة  تحجب الرؤية وتصبغ الأفق برائحة الدم والموت ، ھيجان الدھماء وھمھماتھم تسد أفق النھر العتيق ، تنھد حوائط المدن الآمنة ، تشرع النوارس بالرحيل إلى مدن السراب  ، تفرق الناس أيدي سبأ في رحلة البحث عن  الأمان إلى فجاج الأرض. 

 الأشجار ماتت واقفة أو ھكذا يخيل إليك ، عيدانھا اليابسة وزھرھا الذي ھجر التيجان وثمرھا مرٌّ من أثر البارود ، الأبواب المفتوحة تدعوك للخروج أو الدخول ، صدأ حديدھا مع تعاقب الفصول و بھت طلاؤھا في إنتظار القادمين الذين حتماً يأتون وأنين الرياح على أسقف البيوت المھجورة لا يحمل سواء لون السواد عندما يھطل المطر تسكب عبراتھا على الجدران كأنه خد حسناء مكحل ھدبھا ھجرھا سامرھا تلفظ وجع قلبها عليه. 

الشوارع الخلفية لا يري فيها غير صوت الريح و زاخات الرصاص 

المتقطع ، و المتواصل أحيانا أخرى .

الدخان المتصاعد من  العتاد العسكري المحترق على الطرقات وسيارات الناس المسروقة  و بعض الأثاث المنزلي متناثر بشكل فوضوي يعلوه الغبار المخلوط بوحل  المطر ينبئ بوطن نعق بومه و  حلت عليه لعنة السماء .

بعض اشباح الناس على  الطرقات تمشى مسرعة لقضاء حاجة لسد جوعة ، أو جلب دواء لمريض ، أو  ستر ميت إصابته رصاصة  أو شظية دانة ، الموت ھنا يأتي بلا أستئذان ومن كل الأمكنة يأخذك على حين غِرة .

مدافن المدينة ضاقت عليها الأرض بما رحبت من عدد السكان الجدد ، حتي تم دفن الموتي في الميادين العامة وداخل البيوت ، بينما أخرون لم يجدوا  من يدفنھم ، فكانوا طعام للكلاب الضآلة والقطط و الھوام .

الناس لا يتلاقون إلا في مدافن الموتى أو في المساجد أو عند التكايا ، متجھمون ،زاغى الأعيون ، خائفون ، خانقون ، متوترون ، قابلون للإنفعال أو قول الإنفجار  لأتفه   الأسباب ، يفشون غبائنھم على  أنفسهم كأنه عدو متوھم ..

في الليل تلف الظلمة المكان  وميض ھاتفك أو إشعال سيجارة يمكن أن يجعلك   هدفا للصوص أو  رصاصة تذھب بك إلى ھناك  .

النھار يفضح موقع الخطر ولكن لا يحميك منه..

الموت يترصد الجميع بلا إستثناء حتى صار يمشي بين الناس بلا وجل أو خوف ، لابد  من التطبيع معه أو أنك تموت في الساعة مائة مرة ، عليك أن لا تظهر الخوف وإلا سوف تصير هدفاً للجميع ، مصدراً  للسخرية  والتندر  لتصدير خوفھم إليك. 

النباتات المتسلقة الطفولية إحتلت الشوارع ،اريكات العاشقين على النھر الحزين ، أعمدة الكھرباء المتداعية للسقوط ، مداخل البيوت القديمة  تنبؤك  بأن أحذية المدينة لم تعد بعد ، صارت لياليھا موحشة وأيامها خوالي إنفض سامر القوم وتفرقوا في بلاد الله  البعيدة ينشدون امنة من خوف ولقمة من جوع  وأخرون تقطعت بھم السبل يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ، يفاجئھم  المطر و البرد و الرصاص .

تلوّن الشفق بلون الدم و صار ماء النھر رعافا ، آلة  القتل ھذھ  لا تتوقف، شياطين الإنس  يعملون ليل نھار لكي يتواصل سلسال الدم ھذا ، لايريدون له  ان  يتوقف ،  لايزالون  عطشى لمزيد من الدماء   ،الأرض إرتوت حد الإكتفاء  ، وزمجرت السماء رعداً وبرقاً و غضبا  .

أما آن لھذا  الجنون أن  ينتهي ..

أما آن لھذا الجنون أن ينتهي..

ثلاثية الخوف والجوع والموت .

#ابووضاح..

 امدرمان 21 نوفمبر  2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى