عن العلاقة بين القراءة والكتابة

اولاً القراءة والكتابة: أيّهما يخلق الآخر؟
لسنا من الذين يدّعون الانتماء إلى قبيلة المثقفين، لكننا نقترب منها بشغف التعلّم لا برغبة التمركز. نتثاقف علّنا نلحق بقطارهم، ولو في عربة متأخرة، للنهل من الأسئلة قبل الأجوبة. في صالون افتراضي واسع، امتدت أطرافه إلى جهات الأرض الأربع، اجتمع أصدقاء فرّقتهم الحياة ثم أعادتهم الذاكرة، ودار بينهم نقاش قديم متجدد: أيّهما أسبق، القراءة أم الكتابة؟
السوال اعلاه قد يبدو بسيطاً، لكنه في عمقه سؤال عن المعرفة ذاتها وعن معانيها. بل عن الكيفية التي يتشكّل بها الوعي، وعن العلاقة بين التلقّي والفعل. هو قريب في روحه من ذلك السؤال الفلسفي العنيد: أيهما وُجد أولاً، البيضة أم الدجاجة؟ لأن الإجابة هنا ليست تقريراً نهائياً، بل نافذة على طريقة تفكيرنا.
القراءة، على الأرجح، تسبق الكتابة. لكن ليس بالمعنى المدرسي الضيق. الإنسان يقرأ العالم قبل أن يدوّنه: يقرأ الوجوه، السلطة، الخوف، الحكايات الشفهية، الفقد، والانكسار. القراءة الأولى ليست في الكتب، بل في التجربة. أرسطو حين تحدّث عن قابلية العقل، لم يكن يقصد فراغه، بل استعداده الدائم للاكتساب. ومن هذا الاستعداد تولد الكتابة لاحقاً، كمحاولة لتنظيم ما فاض عن الاحتمال.
غير أن القراءة، مهما اتسعت، لا تصنع كاتباً بالضرورة. كثيرون يقرؤون، وقليلون يُدفعون إلى الكتابة. الفارق ليس في المعرفة، بل في الحساسية. نيتشه حين قال إن من يكتب بدمه يُقرأ جيداً، لم يكن يمجّد الألم، بل يشير إلى التجربة الحية. الكاتب ليس من يعرف أكثر، بل من يشعر أكثر، ومن لا يستطيع أن يترك الأسئلة معلّقة في داخله دون محاولة قولها.
وهل الكتابة ضرورة؟
ليست ضرورة عامة، ولا واجباً أخلاقياً. العالم لا يتوقف إذا صمتنا. لكنها عند بعض الناس ضرورة وجودية. كافكا كتب ليحتمي من نفسه، وسارتر كتب بوصف الكتابة التزاماً تجاه العالم. بين النجاة والالتزام، تتعدد أشكال الكتابة، لكنها تظل فعلاً داخلياً لا قراراً عقلانياً.
اللحظة الفاصلة بين القارئ والكاتب ليست لحظة طموح، بل لحظة فشل. فشل القارئ في الاكتفاء بما يقرأ. ليس لأن النصوص ناقصة، بل لأنها لم تعد تحتمل أسئلته الخاصة. هنا تبدأ الكتابة. غادامير يرى أن الفهم الحقيقي هو اندماج أفق القارئ مع أفق النص. وعندما يضيق هذا الاندماج، لا يبقى أمام القارئ إلا أن يفتح أفقه الخاص، أن يكتب.
القارئ الحقيقي ليس متلقياً سلبياً. القراءة فعل مشاركة، وربما مخاطرة. حين نقرأ بعمق، نضع ذواتنا على المحك، ونسمح للنص أن يعيد ترتيبنا. بول ريكور يرى أن النص لا يمنح معناه دفعة واحدة، بل بقدر ما يسمح القارئ لنفسه بأن يُساء فهمه أولاً. القراءة هنا ليست بحثاً عن الطمأنينة، بل استعداد للتغيّر.
هل القراءة حرفة؟
نعم، بمعناها العميق. هي ذائقة تُصقل، وقدرة على التمييز، ومهارة في الشك. ليست كل قراءة فهماً، كما ليست كل كتابة فكراً. القراءة الحقيقية تدرّبنا على التوقف، على الإنصات، وعلى مقاومة الإجابات السهلة.
وفي زمن الإنترنت، لم تمت القراءة، لكنها فقدت صبرها. صرنا نقرأ كثيراً ونفهم قليلاً. تغيّر الشكل، وتسارع الإيقاع، وبقي التحدي كما هو: كيف نحافظ على العمق في عالم لا يمنح الوقت؟ المشكلة ليست في الوسيط، بل في علاقتنا بالمعنى.
في النهاية، القراءة والكتابة ليستا خطّين متوازيين ولا طرفين متقابلين، بل حركة دائبة بين الداخل والخارج. نقرأ لنفهم العالم، ونكتب لنفهم أنفسنا. وربما لهذا السبب سيظل السؤال مفتوحاً، لأن الأسئلة المفتوحة وحدها هي التي تُبقي التفكير حيّاً، والصالون مضاءً، والكتابة ممكنه..
وهذه دعوة صادقة للقراءة والكتابة مع مودتي
عثمان يوسف
خليل المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com





