الحرب على الأرض

كيف صنعت القبيلة سياسة بلا فكر في السودان.

 

محمد عمر شمينا

تلقيت نسخة من كتاب «القبيلة والسياسة في السودان» كإهداء من الدكتور الشفيع خضر في عام 2017. أكملتها وأنا خارج السودان خلال يومين فقط، لا لأن الكتاب قصير، بل بسبب سلاسته وعمق تحليله. ومع ذلك، يبدو أننا نحن جيل ثورة 2019 لم نولِ هذا النوع من التفكير الاهتمام الكافي، إذ انشغلنا بالفعل الثوري وصخبه أكثر من انشغالنا بتفكيك البُنى العميقة التي كانت تنتظر لحظة الانهيار لتعيد إنتاج نفسها بأدوات أكثر عنفًا. اليوم، ونحن في قلب حرب شاملة، يبدو كتاب الشفيع خضر كأنه كُتب ليُقرأ الآن، لا قبل سنوات.

لا يتعامل الكتاب مع القبيلة بوصفها بقايا ماضٍ تقليدي، بل باعتبارها فاعلًا سياسيًا قابلًا للتحديث والتسليح والتوظيف. وهي مقاربة تساعد كثيرًا على فهم ما يجري اليوم، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع بين نخب عسكرية، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ الاجتماعي بالقوة. فكلما تراجعت الدولة، تقدمت القبيلة من الهامش إلى مركز السياسة، لا بوصفها حنينًا للماضي، بل كبديل عملي لغياب السلطة والمؤسسات.

غير أن فهم القبيلة بمعزل عن الأرض يظل فهمًا ناقصًا. فالقبيلة في السياق السوداني ليست مجرد رابطة دم أو انتماء ثقافي، بل علاقة تاريخية بالأرض والموارد. هنا يكتسب الربط مع كتاب الأرض في السودان للأستاذ محمد إبراهيم نقد أهمية خاصة، إذ يوضح أن الصراع حول الأرض لم يكن يومًا مسألة اقتصادية بحتة، بل أساسًا لتشكل السلطة والنفوذ والهوية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل القبيلة عن الأرض، ولا فهم السياسة القبلية دون إدراك أن الأرض هي مركز الثقل الحقيقي للصراع. إن الفكرتين، كما طرحهما نقد والشفيع خضر كلٌّ بطريقته، لا يمكن تجزئتهما.

الحرب الجارية أعادت هذا الارتباط إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة. لم تعد القبيلة مجرد وحدة اجتماعية للحماية، بل تحولت إلى وحدة تعبئة عسكرية، وخزان بشري للقتال، وأداة تفاوض سياسي، لأن الأرض المرتبطة بها باتت مهددة أو موضع نزاع أو فرصة توسع. في هذا السياق، برزت بعض القبائل العربية فى دارفور ليس فقط كأطراف في العنف، بل كجزء من معادلة القوة الجديدة، حيث وفّرت الحرب فرصة لإعادة تعريف الموقع في الدولة، لا عبر مشروع سياسي أو رؤية وطنية، بل عبر السيطرة الفعلية وفرض الأمر الواقع.

في المقابل، وجدت قبائل افريقانية بدارفور نفسها عالقة بين تاريخ طويل من التهميش المرتبط بالأرض، وواقع سياسي تُدار فيه الصراعات باسمها أحيانًا دون أن تكون هي صاحبة القرار. ومع غياب الدولة، لم تعد الأرض مجالًا للتعايش أو الإنتاج، بل تحولت إلى غنيمة حرب، تُعاد صياغة ملكيتها بالقوة، وتُستخدم كوسيلة ضغط سياسي، لا كحق اجتماعي جامع.

المعضلة هنا لا تكمن في حضور القبيلة في السياسة، فذلك واقع لا يمكن تجاوزه، وإنما في الفراغ الفكري الذي يملأ هذا الحضور. كثير من الفاعلين القبليين في مشهد الحرب الراهن لا يحملون تصورًا للدولة، ولا برنامجًا سياسيًا، ولا حتى سؤالًا جديًا عمّا بعد الحرب. ما يحركهم هو الإحساس بالفرصة فرصة السلاح، وفرصة انهيار دولة حكم القانون، وفرصة إعادة توزيع الأرض والنفوذ. وهنا تتجلى الانتهازية السياسية في أبسط صورها، بلا عمق فكري ولا أفق وطني، مجرد إدارة آنية للصراع وتوسيع مناطق السيطرة.

ربما يكون الاعتراف الأصعب هو أن جيل ثورة 2019 لم يخض معركته الفكرية كاملة. انشغلنا بإسقاط النظام، لكننا لم نتوقف طويلًا أمام سؤال الأرض، ولا أمام الكيفية التي يمكن أن تتحول بها القبيلة، المرتبطة بالأرض، إلى فاعل سياسي مسلح عند أول انهيار للدولة. كتب مثل كتاب الشفيع خضر، وكتاب استاذ محمد إبراهيم نقد، كانت تنبه إلى هذه المسارات منذ وقت مبكر، لكن ضجيج اللحظة غطّى على عمق التحذير. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تحذير الأستاذ محجوب محمد صالح لي شخصيًا، قبل أيام فقط، حين قال إن نظام الإنقاذ سيسقط لا محالة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في سقوطه من دون برنامج واضح لما بعده. تحذير بدا حينها عابرًا في وقته، لكنه اليوم يبدو توصيفًا دقيقًا لما حدث بالفعل.

إذا استمرت الحرب بهذا الشكل، فإن الخطر لا يتمثل فقط في طول أمدها، بل في ترسيخ معادلة جديدة يكون فيها السلاح هو الضامن، والأرض هي الجائزة، والقبيلة هي الإطار السياسي البديل. عندها، لن يكون التحدي هو وقف إطلاق النار فحسب، بل استعادة السياسة نفسها من منطق الغلبة، وإعادة تعريف العلاقة بين الأرض والقبيلة والدولة على أسس عادلة.

ما نعيشه اليوم ليس قطيعة مع الماضي، بل امتداد له. الحرب كشفت، بوضوح قاسٍ، أن القبيلة حين تُفصل عن الفكر، وتُربط بالأرض والسلاح فقط، تنتج سياسة بلا أفق. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا، بلا إجابة سهلة، هو ما إذا كنا مستعدين لإعادة التفكير في هذا المسار جذريًا، أم سنكتفي بإدارته حتى ينهار على الجميع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى