المعتقلون والمخفيون قسراً أزمة متجددة بوجوه مختلفة

حيدر المكاشفي 

على إمتداد تاريخ السودان الحديث، ظل ملف المعتقلين والمخفيين قسراً واحداً من أكثر الملفات إيلاماً وتعقيداً، لكنه اليوم في ظل الحرب المهلكة الدائرة، عاد بصورة أكثر قسوة واتساعاً، ليكشف عن انهيار شبه كامل لمنظومة العدالة، وتحوّل الإخفاء القسري إلى أداة ممنهجة في الصراع.. فمع تعدد جهات الإعتقال وتباين ولاءاتها، بات آلاف السودانيين عرضة للاختفاء دون أي مسوغ قانوني أو إشراف قضائي. معظم هذه الجهات تعمل خارج إطار الدولة ولا تخضع لأي رقابة، الأمر الذي حوّل ملف المعتقلين والمخفيين إلى أزمة إنسانية مركبة، تتقاطع فيها الانتهاكات مع غياب المساءلة وانعدام الشفافية. ورغم فداحة الجرائم التي خلّفتها الحرب من قتل ونزوح ودمار، يظل مصير المفقودين والمخفيين قسراً من أكثر القضايا غموضاً. فطرفا الصراع يرفضان الكشف عن مصير المحتجزين في السجون غير الرسمية والمعتقلات السرية، بينما تجد الأسر نفسها في مواجهة المجهول بلا معلومات أو دلائل سوى شائعات متضاربة أو شهادات ناجين. في ظل هذا الصمت، تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى بديل هش لمؤسسات الدولة الغائبة، حيث تعج الصفحات بإعلانات البحث عن المفقودين، مرفقة بصورهم وأرقام هواتف ذويهم، في مشهد يعكس حجم المأساة واتساعها. ومع انتقال المواجهات من مدينة إلى أخرى، تتزايد أعداد المختفين، خصوصاً في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، حيث تنعدم أي إشارات إلى أماكن الاحتجاز أو أوضاع المحتجزين. ففي خضمّ الحرب الدائرة في السودان، تتزاحم المآسي وتتعدد أشكال الانتهاكات، لكن يظل ملف المعتقلين والمخفيين قسرا واحدا من أكثر القضايا قسوة وغموضاً. فهو ملف لا يقاس بعدد الضحايا فحسب، بل بعمق الألم الذي يخلّفه في نفوس الأسر، وبحجم الانهيار الأخلاقي والقانوني الذي يكشفه واقع الصراع. اليوم لم يعد الاعتقال والإخفاء حكراً على جهة واحدة، بل أصبح ممارسة شائعة في ظل تعدد مراكز القوة وغياب الدولة. جهات مسلحة خارج إطار القانون تدير سجونا سرية ومراكز احتجاز غير معروفة، بلا أوامر قضائية ولا رقابة، فيما يلوذ طرفا الحرب بالصمت أو الإنكار، رافضين الكشف عن مصير آلاف المفقودين. وسط هذا العجز الرسمي، تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أرشيف مفتوح للألم صور مفقودين، نداءات استغاثة، وأرقام هواتف تنتظر اتصالاً قد لا يأتي. مشهد يعكس ليس فقط مأساة الأفراد، بل فشل الدولة في أبسط واجباتها حماية مواطنيها أو حتى الاعتراف بمعاناتهم.

غير أنّ هذه المأساة ليست جديدة على الذاكرة السودانية. فخلال فترة حكم حكومة الإنقاذ (1989–2019)، استخدمت السلطة الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي كأدوات لإسكات المعارضين السياسيين والنشطاء والطلاب. عرفت حينها بيوت الأشباح، وهي معتقلات سرية مورست فيها أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، دون أوامر قضائية أو حق في الدفاع وبلا اعتراف رسمي بوجودها. وتعيد قضية المعتقلين والمفقودين في الحرب للذاكرة قضية كل المفقودين والمخفيين قسرياً منذ سنوات النظام البائد الكالحة، وبعد عملية فض الاعتصام القذرة، وصولاً الى مفقودي هذه الحرب الكارثية، كما تعيد للذاكرة تلك الخطابات الدموية الدراكولية التي كان بعض قيادات النظام البائد يجهرون بها على رؤوس الأشهاد، وهي خطابات موثقة صورة وصوت، ويأتي على رأس هؤلاء المخلوع البشير، فقد دأب المخلوع عند أي خطاب يلقيه أمام الجنود إبان حرب دارفور يوصيهم قائلاً (ما دايرين أسير أو جريح)، وما قاله المخلوع وقتها يمثل أوامر عليا من القائد الأعلى واجبة التنفيذ، بأن يقتلوا من يقع في أيديهم أسيراً وأن يطلقوا رصاصة الرحمة على من يجدوه جريحاً بدلاً من محاولة اسعافه، ومن أشهر هذه الخطابات أيضاً، خطاب مشهود للمتنفذ الانقاذي أحمد هارون، ففي مخاطبة له للمتحركات العسكرية التي كانت تحارب مقاتلي الحركة الشعبية شمال، قال هارون يخاطب جنوده (أمسح، أكسح، قشوا، ما تجيبو حي)، في تحريض واضح على الابادة وعدم الاحتفاظ بأي أسير حي، ويؤكد على ذلك مضيفاً (ما تعملوا لينا عبء إداري)، في إشارة إلى الأعباء المالية المترتبة على الاحتفاظ بالأسرى مثل الاطعام والعلاج وخلافه، وعطفاً على تلك الأوامر العليا لا أظن أن بقي أسيراً أو مخفياً على قيد الحياة، فالمؤكد أنهم قد تم (قشهم) ومسحهم من على وجه الارض، ويشار الى أن كلاً من المخلوع البشير وأحمد هارون مطلوبان لدى المحكمة الجنائية الدولية، بالاضافة الى عبد الرحيم محمد حسين لاتهام ثلاثتهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور وجرائم لا انسانية وابادة جماعية.. الشاهد ان تلك اللغة الدموية كانت تمثل احدى المؤشرات الدالة على العقلية الامنية القهرية الاستبدادية اللا اخلاقية واللا انسانية، التي وسمت أداء النظام البائد، اذ ليس من الاخلاق ولا من الدين دعك من اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، والتي تجرم قتل الأسير أو الجريح، فالإسلام الذي كانوا يتمشدقون باسمه زيفاً، يوجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية، تحفظ كرامتهم، وترعى حقوقهم، وتصون إنسانيتهم، ويعتبر القرآن الكريم الأسير من الفئات الضعيفة التي تستحق الشفقة والإحسان والرعاية، مثل المسكين واليتيم، فمثل تلك الأقوال الدموية اللا انسانية تكفي وحدها لتوقع قائلها تحت طائلة جريمة حرب، دعك من تنفيذ هذه الأقوال على الأرض وممارسة الابادة الجماعية والتطهير العرقي فعليا..أما مفقودي فض الاعتصام وما تلاه من حوادث إخفاء قسري، فتلك قضية يرجح جداً ان من فضوا الاعتصام وما أعقبه من عمليات إخفاء قسري، كانوا يقرؤون من كتاب الانقاذ الدموي، وطبقوا شعارها (أكسح، أمسح، قشوا، ما تجيبو حي) عملياً. وستبقى عملية فض الاعتصام البشعة حاضرة على الدوام ولن تمحو السنين عارها وجريمتها الفظة التي لن تسقط بالتقادم وإن مرت عليها عشرات السنين، بل ستظل محفورة في وجدان الشعب السوداني..ولن تنسى ايضا قضايا الاخفاء الاخرى تلك الاختفاءات الغريبة والعجيبة والمريبة لبعض الأشخاص على فترات متفاوتة خلال العهد المدحور، ذلك الملف الذي كان مجرد إثارته ولو تلميحاً يثير غضب السلطات الأمنية، وتلك كانت قضايا البروف عمر هارون وغيره ممن اختفوا أو بالاصح تم اخفاءهم قسريا في ظروف غامضة، نذكر منهم هنا على التوالي، أبوذر الغفاري ومحمد الخاتم موسى يعقوب بالاضافة للبروف عمر هارون.. ففي مساء كالح من مساءات (إنقاذ) مطلع التسعينيات وكانت حينها (الإنقاذ) كالكلب العقور والثور الهائج في مستودع الخزف، تطأ أي شيء وتعض أي شيء من أجل تأمين الانقلاب وتمكين الانقلابيين، توقفت في ذاك المساء سيارة بوكس على متنها عدد من الأشخاص أمام منزل أبوذر بالحاج يوسف، حيث كان يقيم مع والدته، طرقوا الباب وعندما خرج أبوذر يستطلع الطارق، طلبوا منه أن يصطحبهم في مشوار قصير، ركب معهم أبوذر الشاعر الشاب المبدع صاحب اليدين القصيرتين والطبع الهادئ الرزين، وصاحب رائعة الفذ مصطفى سيدأحمد (في عيونك ضجة الشوق والهواجس.. ريحة الموج البنحلم فوقو بي جية النوارس)، ولم يعد حتى الآن، ولم يعرف له خبر ولا أثر ولا مكان كل هذه السنوات الطوال، ومثله وبعده كان قد اختفى فجأة وبغتة وبطريقة غريبة ومريبة وظروف غامضة ومحيرة، كل من محمد الخاتم ابن زميلنا الكاتب الصحافي المخضرم موسى يعقوب (رحمه الله)، الذي خرج من داره بشكل طبيعي ومألوف في الخامسة من مساء الثالث من مارس عام 2006 ولم يعد إلى يوم الناس هذا، والبروفسور عمر هارون أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم، الذي اختفى منذ ذاك الأصيل الذي خرج فيه من منزله لممارسة رياضة المشي التي دأب عليها وواظب، لدرجة أضحت من يومياته المعلومة والمعتادة وبرامجه الثابتة، ولكنه لم يعد إلى داره وأهله حتى اللحظة.. ولكم أن تتصوروا حال كل أسر المفقودين المكلومة، وهي تكابد عناء حل هذا اللغز وفك شفرة هذا الاختفاء المحير، هذه حالة تخر من هولها الجبال الراسيات، حالة (تمخول) وتجنن وتطير الصواب، وإننا إذ نجتر هذه الذكرى الأليمة والأسيفة التي أعادها لنا خبر لجنة الصليب الاحمر، لا نملك إلا أن نسأل الله أن يسخِّر لهذه الأسر من يريحها من عذابات هذا الطلسم، وينتشلها من غيهب الحزن والوجع والظنون، بإفادة شافية وقاطعة عن مصير مفقوديها، وما إذا كانوا أحياء فيرجون أو موتى فينعون، فمما لا شك فيه أن وراء اختفائهم الغامض والمريب، إما جهة ما أو مجموعة ما أو حتى فرد ما، وبالقطع لن يكونوا قد اختطفوا بواسطة (الدودو) كما في اللعبة الصبيانية المعروفة. تلك هي بعض قضايا الاختفاءات الغريبة والاخفاءات القسرية المريبة التي لن تغلق ولن تسقط بالتقادم أبداً إلى أن يبين الحق أمام الحق جلّ وعلا..إن هذا التشابه بين الأمس واليوم في قضايا المعتقلين والمخفيين لا يقتصر على الأساليب، بل يمتد إلى الثقافة السياسية التي ترى في القمع وسيلة لإدارة الأزمات، وفي تغييب الخصوم حلاً مؤقتاً للصراع. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الإخفاء القسري اليوم لم يعد مقتصراً على جهاز دولة مركزي، بل تمارسه أطراف متعددة، ما يجعل تحديد المسؤوليات والمحاسبة أكثر تعقيداً.. إن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة يهدد النسيج الاجتماعي ويعمّق جراح الحرب، ويقوّض أي أمل في العدالة الانتقالية أو المصالحة المستقبلية. فالكشف عن مصير المعتقلين والمخفيين ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لأي مسار سياسي يسعى لإعادة بناء الدولة على أسس القانون والكرامة الإنسانية.. وفي ظل هذا الواقع يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هو فقط أين المعتقلون والمخفيون بل أيضاً إلى متى سيظل السودانيون يدورون في الحلقة نفسها من القمع والإفلات من العقاب. إن كسر هذه الدائرة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وضغطاً مجتمعياً متواصلاً، وموقفاً دولياً لا يكتفي بالإدانة اللفظية. فالإخفاء القسري ليس تفصيلاً في هامش الحرب، بل جريمة في صميمها، واختبار أخلاقي حاسم إما أن ينتصر حق الإنسان في الحياة والكرامة، أو يواصل السودان إعادة إنتاج ماضيه المظلم بثمن أفدح..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى