إقتصاد المخدرات في سودان الحرب..النزاع المسلح جعل البلاد بيئة خصبة لتصنيع الكبتاغون 

أفق جديد 

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة أو الجغرافيا؛ فقد بدأت تفرز إقتصاداً موازياً أكثر خطورة، إقتصاداً يدار في الظل وتغذّيه الفوضى. وبينما تتجه الأنظار إلى المعارك العسكرية والأزمة الإنسانية، تتشكل في الخفاء صناعة مربحة تعتمد على المخدرات التخليقية، وعلى رأسها الكبتاغون.

يشير تقرير صادر عن المرصد السوداني للشفافية والسياسات بعنوان “المخدرات في سودان الحرب: اقتصاد غير مشروع يؤجج نار الحرب” إلى أن السودان يشهد تحولاً مقلقاً من مجرد ممر عبور للمخدرات إلى ساحة إنتاج محتملة لها. ويأتي هذا التحول في لحظة إقليمية يعاد فيها تشكيل سوق المخدرات التخليقية بعد انهيار مراكز إنتاج تقليدية في الشرق الأوسط، ما دفع شبكات التهريب الدولية للبحث عن بدائل في دول تعاني ضعف الدولة والصراعات المسلحة.

في هذا السياق، تبدو الحرب السودانية بيئة مثالية لنمو اقتصاد المخدرات؛ إذ أدى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الرقابة الأمنية واتساع مناطق الفراغ الأمني إلى خلق مساحة واسعة لنشاط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

تحولات إقليمية

يبدأ التقرير بتحليل التحولات التي طرأت على صناعة المخدرات التخليقية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فبعد انهيار منظومات إنتاج الكبتاغون المرتبطة بالنظام السوري عقب سقوطه في ديسمبر 2024، بدأت شبكات الاتجار تبحث عن مواقع بديلة لإعادة توزيع الإنتاج.

تعتمد صناعة المخدرات التخليقية على بيئات يسهل فيها تشغيل المختبرات بعيداً عن الرقابة، وتتوفر فيها شبكات تهريب قادرة على نقل المواد الكيميائية الأولية والمنتج النهائي عبر الحدود. لذلك غالباً ما تنتقل هذه الصناعة إلى مناطق تعاني ضعف الحوكمة أو الصراعات المسلحة.

وفي هذا السياق، ظهر السودان كأحد المواقع المحتملة لاستيعاب جزء من هذا النشاط. فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أدت إلى تراجع قدرة الدولة على الرقابة، وتفكك الأجهزة الأمنية، واتساع مساحات جغرافية خارجة عن السيطرة الحكومية. ومع تزايد الطلب العالمي على المخدرات التخليقية، أصبحت هذه الظروف فرصة مغرية لشبكات التهريب الدولية لإعادة بناء خطوط إنتاج جديدة.

دور السودان

تاريخياً، كان السودان يُستخدم كممر عبور لشحنات المخدرات القادمة من مناطق إنتاج مختلفة والمتجهة إلى أسواق الشرق الأوسط وأوروبا. غير أن المعطيات الحديثة تشير إلى تحوّل تدريجي في هذا الدور.

فوفقاً لقاعدة بيانات معهد “نيو لاينز” الخاصة بمصادرات الكبتاغون، تم تسجيل 19 حادثة مصادرة أو اكتشاف مرتبطة بالكبتاغون في السودان بين عامي 2015 و2025. لكن اللافت أن وتيرة هذه الحوادث ارتفعت بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وتشير هذه البيانات إلى أن السودان لم يعد مجرد ممر لمرور الشحنات، بل بدأ يشهد ظهور نشاط إنتاجي محلي. فقد تم اكتشاف ومصادرة عدة مختبرات لإنتاج الكبتاغون داخل البلاد، بعضها مجهز بتقنيات متقدمة تشبه المختبرات التي ظهرت في دول أخرى مثل العراق وتركيا والكويت.

معامل الإنتاج

تلفت بيانات التقرير إلى تطور ملحوظ في قدرات الإنتاج داخل السودان خلال فترة قصيرة نسبياً. ففي يونيو 2023، تم اكتشاف موقع إنتاج قادر على تصنيع نحو 2700 قرص كبتاغون في الساعة.

لكن التطور الأبرز جاء في فبراير 2025، عندما تم العثور على مختبر أكثر تطوراً قادر على إنتاج ما يصل إلى 100 ألف قرص في الساعة باستخدام معدات تقدر قيمتها بنحو ثلاثة ملايين دولار.

ويشير هذا التوسع في القدرات الإنتاجية إلى أن بعض الشبكات الإجرامية بدأت تستثمر بشكل جدي في إنشاء بنية تحتية صناعية داخل السودان، ما يعكس تحوّلاً من عمليات صغيرة محدودة إلى إنتاج شبه صناعي يمكن أن يغذي أسواقاً إقليمية واسعة.

اقتصاد الحرب

يربط التقرير بين توسع صناعة المخدرات في السودان وبين ظاهرة اقتصاديات الحرب، وهي الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة التي تزدهر في ظروف النزاعات المسلحة.

في مثل هذه البيئات، تتراجع قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، بينما تسعى الأطراف المسلحة إلى إيجاد مصادر تمويل بديلة لتمويل العمليات العسكرية. وغالباً ما تصبح الأنشطة غير القانونية مثل تهريب السلاح أو المخدرات مصدراً سريعاً للأرباح.

وتوفر تجارة المخدرات ميزة خاصة في هذا السياق، إذ يمكن إنتاجها بكلفة محدودة نسبياً مقارنة بعوائدها الكبيرة. كما أن نقلها وتهريبها يعتمد على شبكات لوجستية يمكن دمجها بسهولة مع خطوط الإمداد التي تستخدمها الجماعات المسلحة.

شبكات دولية

لا تقتصر تجارة الكبتاغون المرتبطة بالسودان على شبكات محلية فحسب، بل ترتبط بشبكات إقليمية ودولية تمتد عبر عدة دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تعتمد هذه الشبكات على منظومة معقدة تشمل الممولين والوسطاء والمهربين، إضافة إلى شركات واجهة تستخدم لإخفاء الأنشطة غير القانونية. كما تستخدم هذه الشبكات وسائل نقل متعددة تشمل النقل البري عبر الحدود الصحراوية، والنقل البحري عبر البحر الأحمر، والشحن الجوي باستخدام وثائق مزورة.

ويمنح الموقع الجغرافي للسودان هذه الشبكات ميزة إضافية؛ إذ يقع عند تقاطع طرق تربط الشرق الأوسط بشمال أفريقيا والقرن الأفريقي، ما يجعله حلقة وصل مهمة في شبكات التهريب الدولية.

طرق التهريب

يشير التقرير إلى عدة مسارات رئيسية يمكن أن تستخدم في تهريب المخدرات عبر السودان أو منه.

أول هذه المسارات هو المسار البحري عبر البحر الأحمر، حيث يمكن شحن المخدرات أو المواد الكيميائية الأولية إلى موانئ في الشرق الأوسط أو شرق أفريقيا.

أما المسار الثاني فهو المسار الصحراوي عبر الصحراء الكبرى، الذي يربط السودان بدول شمال أفريقيا مثل ليبيا ومصر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.

وهناك أيضاً المسار الأفريقي الذي يمر عبر الحدود مع إثيوبيا وإريتريا، حيث يمكن إعادة توزيع الشحنات نحو أسواق أخرى في القارة.

إلى جانب ذلك، توجد مسارات داخلية مرتبطة بمناطق النزاع، حيث تستخدم شبكات التهريب الطرق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة لنقل الشحنات داخل البلاد.

مخاطر متزايدة

لا يقتصر تأثير انتشار صناعة المخدرات على الاقتصاد غير المشروع فحسب، بل يمتد إلى مخاطر صحية وأمنية واسعة.

فالمخدرات التخليقية مثل الكبتاغون يتم إنتاجها باستخدام مواد كيميائية خطرة، وقد يؤدي التخلص غير الآمن من مخلفات الإنتاج إلى تلوث بيئي وأضرار صحية خطيرة.

كما أن انتشار هذه المواد داخل السودان قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإدمان، خاصة في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي يعيشها السكان بسبب الحرب.

ومن الناحية الأمنية، يمكن أن يؤدي ازدهار تجارة المخدرات إلى تعزيز قوة الشبكات الإجرامية وزيادة العنف المرتبط بالصراع على السيطرة على طرق التهريب ومراكز الإنتاج.

فساد مؤسسي

يشدد التقرير على أن الفساد وضعف المؤسسات الحكومية يلعبان دوراً أساسياً في توسع تجارة المخدرات.

فغياب الرقابة الفعالة على الحدود والموانئ يسهل مرور الشحنات غير المشروعة، بينما يمكن أن تؤدي الرشاوى أو التواطؤ إلى تعطيل جهود إنفاذ القانون.

كما أن انهيار بعض مؤسسات الدولة خلال الحرب أدى إلى فقدان السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، ما سمح بظهور اقتصاد ظل يعتمد على أنشطة غير قانونية مثل التهريب والتعدين غير المشروع وتجارة السلاح والمخدرات.

استقرار إقليمي

يحذر التقرير من أن تحول السودان إلى مركز لإنتاج الكبتاغون قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود البلاد.

فانتشار هذه الصناعة في دولة تعاني نزاعاً مسلحاً قد يساهم في تعزيز الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، ويزيد من تعقيد جهود مكافحة المخدرات في المنطقة.

كما قد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقات مع دول الجوار إذا ما أصبحت الأراضي السودانية مصدراً لشحنات المخدرات المتجهة إلى أسواق أخرى.

سيناريوهات قادمة

يرسم التقرير عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل تجارة المخدرات في السودان.

إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فمن المرجح أن تتوسع صناعة المخدرات بشكل أكبر، وأن تتحول بعض المناطق إلى مراكز إنتاج رئيسية.

أما إذا تم التوصل إلى تسوية سياسية واستعادت الدولة مؤسساتها، فقد يصبح من الممكن احتواء هذه الظاهرة عبر تعزيز الرقابة على الحدود وتفكيك شبكات التهريب.

لكن التقرير يشير إلى أن القضاء على هذه الصناعة قد يستغرق سنوات حتى بعد انتهاء الحرب، بسبب حجم الاستثمارات التي قد تكون الشبكات الإجرامية قد ضختها في البنية التحتية للإنتاج والتهريب.

توصيات أساسية

يختتم التقرير بمجموعة من التوصيات للحد من انتشار صناعة المخدرات في السودان، من بينها تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمكافحة شبكات الاتجار، ودعم قدرات أجهزة إنفاذ القانون، وتحسين الرقابة على الحدود والموانئ.

كما يدعو إلى تطوير آليات لرصد الأنشطة المالية المشبوهة المرتبطة بتجارة المخدرات، والعمل على معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل اقتصاديات الحرب جذابة.

خلاصة المشهد

يكشف التقرير عن جانب مظلم من تداعيات الحرب السودانية يتمثل في تحول البلاد تدريجياً إلى مركز ناشئ لصناعة المخدرات التخليقية. ويعكس هذا التحول كيف يمكن للنزاعات المسلحة أن تخلق بيئات خصبة لازدهار الاقتصاد غير المشروع.

وإذا استمرت الحرب دون حل سياسي شامل، فإن خطر ترسخ اقتصاد المخدرات في السودان قد يتحول من ظاهرة هامشية إلى أحد محركات الصراع نفسه، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على استقرار السودان والمنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى