عيد السودان: حزنٌ لا يفنى

الزين عثمان
منذ لحظة فضّ الاعتصام أمام القيادة العامة في العام 2019، سُجّل العيد في دفاتر السودانيين بوصفه لحظةً للأحزان لا للفرح؛ إذ تحوّلت عبارة «حدث ما حدث يومها» إلى تدشين لحقبة من وجعٍ لا ينتهي. فالذين فضّوا الاعتصام في ذات العيد، قرروا لاحقًا أن يفضّوا بلادًا كاملة بالحرب، وهم ذاتهم، وكأنهم عازمون على نقل الحزن وتجديده مع كل عيد. وعلى مدى أكثر من سبع سنوات، بات العيد لدى السودانيين مجرد مناسبة لاجترار الأحزان والأوجاع، وتجديد أمنيات «القابلة خير» التي لا تجد طريقها إلى التحقق.
وعند محاولة الإجابة عن سؤال «العيد كيف؟»، تفجعك الوقائع دون أن تثير دهشتك في سودان الحرب؛ إذ تختزل الحرب في خلاصتها كل شيء. هذه المرة، ينطلق الحزن من الضعين ومستشفاها، حيث قرر الموت أن يحتفل بعيده الخاص هناك.
ففي أعقاب هجوم بطائرات مسيّرة نسبه كل طرف إلى الآخر من أطراف الصراع على جثة السودان وما تبقى من شعبه، قالت قوات الدعم السريع وحكومتها التأسيسية إن المسيّرات تتبع للقوات المسلحة واستهدفت المستشفى. في المقابل، خرج الناطق باسم القوات المسلحة لينفي التهمة، مشددًا على التزام الجيش بالإنسانية والمهنية، ومؤكدًا أن استهداف المستشفيات والأعيان المدنية «ماركة مسجلة» باسم الميليشيا. وفي هذا السياق، أكدت منظمة الصحة العالمية مقتل 64 شخصًا على الأقل، بينهم 13 طفلًا، إضافة إلى كوادر طبية ومرضى، وإصابة العشرات، جراء هجوم استهدف مستشفى في ولاية شرق دارفور، غربي السودان.
وتعرض مستشفى الضعين التعليمي، الذي يقدم خدماته لنحو أربعة ملايين شخص في المنطقة، للقصف في أول أيام العيد.
وقالت منظمة الصحة العالمية، الأحد، في ضربة مدمّرة جديدة للرعاية الصحية في السودان. أدى هجوم الجمعة، على مستشفى الضعين في شرق دارفور إلى مقتل 64 شخصًا وإصابة 89 آخرين.
وأوضحت المنظمة الدولية في بيان أنه كان من بين القتلى 13 طفلًا، وممرضتان، وطبيب. وأصبح المستشفى الآن خارج الخدمة.
وأضافت، “في لحظة واحدة، تحوّل مكان للشفاء إلى مشهد من الدمار. وبالنسبة للعائلات في المناطق المحيطة، فقد اختفى أحد الأماكن القليلة التي كانت تتيح لهم تلقي الرعاية”.
حزن العيد الذي ارتسم على وجه الضعين وأهلها لم يكن فقط في الموت الهابط من السماء، ولا في فقد الأمهات لأبنائهن، ولا في سقوط الكوادر الطبية بالرصاص، بل تجلّى بصورة أشد في محاولات تبرير موت المدنيين تحت ذرائع أنهم «حواضن» للدعم السريع. بل إن البعض ذهب إلى اعتبار موت الأطفال «أفضل» من أن يتحولوا إلى «جنجويد» عند بلوغهم. هكذا يبدو سودان الحرب، حيث تحل الكراهية محل المحبة، وتسبق أمنيات الهلاك تطلعات الصحة والسلامة.
وفي المقابل، لم يغب من يعترضون على مسيّرات الجيش في الضعين عن الرد بمسيّراتهم، مستهدفين مدينة «الدبة» شمال السودان خلال العيد، وسط تصاعد رسائل الكراهية والمطالبة بضرب ما يُنظر إليه بوصفه «رأس الأفعى» في شندي ودنقلا وعطبرة وبورتسودان وغيرها من المدن.
لكن السؤال يظل قائمًا: كيف قضى من يُنظر إليهم على أنهم «رأس الأفعى» عيدهم في المناطق المصنفة آمنة؟ في منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم، التي عادت إليها بعض مظاهر الحياة مقارنة بغيرها من مناطق العاصمة، شكا مواطنون خلال العيد من اقتحام مجموعات مسلحة لمنازلهم ونهب ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح. وأصبح هذا المشهد حاضرًا بكثافة في السودان الراهن، إلى درجة أنه لم يعد يثير الدهشة ولا التساؤلات.
وعلى صعيد الخدمات، وللمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، شهدت أجزاء واسعة من السودان إطفاءً كاملاً للكهرباء شمل العاصمة الخرطوم وولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر، قبل أن تبدأ شركة الكهرباء في إعادة التيار تدريجيًا يوم الأحد 22 مارس 2026، وجاء الإطفاء العام نتيجة ترتيبات فنية لتغذية المحطات وتقوية التيار، غير أن النتيجة بالنسبة للمواطنين لم تحمل جديدًا: «قاطعة عامة» في العيد.
سياسيًا، جدد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطاب العيد، التأكيد على أنه «لا هدنة» أو وقف لإطلاق النار مع «قوات الدعم السريع»، مشترطًا لذلك انسحاب وتجميع هذه «الميليشيا» وفق خطة سلام تتضمن برنامجًا زمنيًا متكاملاً ينتهي بسلام دائم، ولا يُبقي أي قوة مسلحة خارج الأطر الرسمية. كما تعهد بالمضي «معًا لتطهير البلاد من ميليشيا آل دقلو الإرهابية ومعاونيها، وبناء الدولة واستكمال مؤسساتها، وإرساء أسس راشدة ومنضبطة لتطبيع الحياة المدنية والتداول السلمي للسلطة».
غير أن واقع «تطبيع الحياة المدنية» يكشف عن صورة مغايرة؛ إذ تتجلى الأزمة في انقطاع الكهرباء عن المواطنين ومدن بأكملها في مناطق سيطرة الجيش، بينما تغيب مظاهر الأمان وسيادة القانون في المناطق الخاضعة للدعم السريع، حيث لا عيد ولا صلوات، وأطفال يخشون مغادرة منازلهم، ومدن مثل بارا والنهود غادرتها الحياة تمامًا، وبالطبع لا عيد فيها.
وبعيدًا عن جدل السياسة والحرب، علّق السودانيون آمالهم على فرحة رياضية في العيد عبر كرة القدم، وتحديدًا من الهلال في مواجهته أمام نهضة بركان المغربي، والتي أُقيمت على ملعب أماهورو في العاصمة كيجالي. غير أنه، وقبل نتيجة المباراة، فوجئوا بخبر اعتذار منتخب السودان عن مواجهة الأرجنتين في مباراة تعهد الاتحاد الأرجنتيني بدفع كامل استحقاقاتها، وهو اعتذار ارتبط، بحسب متابعين، بتداعيات تتعلق بحقوق لاعبي المنتخب لدى الاتحاد العام السوداني.
وفي المحصلة، انتهى العيد السوداني بحزن آخر، مصدره هزيمة الهلال أمام الفريق المغربي، وتوقف الحلم، ليبقى العيد، كما بدأ، محاطًا بوجع لا ينتهي.





