حين يورط البرهان أطباء السودان

بقلم : إبراهيم هباني
لم يكن أطباء السودان في حاجة إلى شهادة من عبد الفتاح البرهان حتى يعرف الناس أنهم صمدوا في قلب الجحيم. ولم يكونوا في حاجة إلى قائد جيش كي يمنحهم وساما سياسيا أو عسكريا، لأن وسامهم الحقيقي ظل معلقا على أبواب المستشفيات المهدمة، وغرف العمليات المعتمة، ووجوه المرضى الذين وصلوا إليهم بلا مال ولا سند ولا طرف يسأل عن انتمائهم.
لكن البرهان، كعادته، لا يعرف كيف يمدح شيئا من دون أن يفسده. أراد أن يشيد بالأطباء، فوضعهم في قلب المعركة. أراد أن يقول إنهم كانوا عونا، فقال ما هو أخطر: إنهم قدموا معلومات عن تحركات العدو وآلياته، وخصوصا في مناطق جنوب الحزام حيث كانت قوات الدعم السريع تسيطر. هكذا، وبجملة واحدة، نقل الرجل واحدة من أنبل شرائح المجتمع السوداني من خانة الخدمة العامة إلى خانة الاشتباه العسكري.
المشكلة ليست في أن الأطباء خدموا الجيش أو الدعم السريع أو المدنيين أو الجرحى من أي طرف.
المشكلة أن هذا السؤال نفسه لا يجوز أن يطرح على الطبيب.
الطبيب لا يسأل الجريح عن بندقيته، ولا عن شارته، ولا عن قائده، ولا عن الجهة التي يقاتل معها. الطبيب يسأل عن النزيف، والنبض، والتنفس، والدواء، وفرصة الحياة الأخيرة.
في الحرب، كل الأطراف تحاول امتلاك الرواية. الجيش يريد أن يقول إن المجتمع معه. الدعم السريع يريد أن يقول إن المجتمع ضده أو معه بحسب الحاجة.
السياسيون يبحثون عن حصة في الألم. وحدهم الأطباء لا ينبغي أن يدخلوا هذه السوق. لأن دخولهم إليها يعني سقوط آخر منطقة محايدة في بلد أكلته البنادق.
حين يقول قائد الجيش إن الكوادر الطبية زودت الجهات المختصة بمعلومات عن تحركات الخصم، فهو لا يحرج الأطباء فقط، بل يفتح أمامهم باب الخطر. في مناطق الحرب، لا يحتاج الخصم إلى أدلة كثيرة كي ينتقم. تكفي عبارة من قائد عسكري حتى تصبح سترة الطبيب شبهة، وغرفة الإسعاف مخبأ، وسجل المرضى ملفا استخباراتيا.
وهنا تكمن خفة التصريح وفداحته. فالرجل الذي يفترض أنه يعرف أثر الكلمة في زمن الحرب، تحدث كمن يخاطب جمهورا في مهرجان انتصار، لا كمن يقود بلدا مكسورا يحتاج إلى حماية ما تبقى من مؤسساته المدنية.
وضع الأطباء في المكان الخطأ، ثم مضى. أما هم فسيبقون وحدهم يدفعون ثمن الجملة.
لقد قالت نقابة الأطباء، وشبكة أطباء السودان، ومحامو الطوارئ، ما كان يجب أن يقال بوضوح: إقحام الأطباء في العمل العسكري أو الاستخباراتي يهدد حياتهم ويقوض العمل الإنساني.
وهذا ليس موقفا سياسيا ضد الجيش، ولا اصطفافا مع خصومه. إنه دفاع عن معنى الطب نفسه.
وعن حق السوداني، أي سوداني، في أن يجد طبيبا لا يخاف من إنقاذه.
والأكثر مرارة أن هذه التصريحات جاءت بعد تقارير تحدثت عن مخاوف واسعة داخل الوسط الطبي من استهداف الأطباء والتشكيك في حيادهم. أي أن البرهان لم يطلق كلامه في فراغ.
كان يعرف، أو كان يجب أن يعرف، أن الأطباء يعملون في بيئة يقتل فيها سوء الفهم كما يقتل الرصاص.
ليس مطلوبا من أطباء السودان أن يكونوا مع الجيش. وليس مطلوبا منهم أن يكونوا مع الدعم السريع.
وليس مطلوبا منهم أن يكونوا مع أي سلطة أو تحالف أو راية.
المطلوب منهم أن يكونوا مع الحياة. وهذا وحده كاف، ورفيع، ونبيل.
أما البرهان، فقد فعل ما يفعله دائما: خلط الدولة بالجيش، والجيش بالمجتمع، والمجتمع بساحة المعركة. لكن الطبيب ليس مخبرا، والمستشفى ليس ثكنة، والمشرط ليس بندقية.
ومن لا يعرف هذه الفوارق البسيطة لا يحق له أن يتحدث باسم وطن يبحث عن النجاة.
أطباء السودان لم يكونوا عونا للجيش. كانوا عونا للسودانيين.
وهذه هي الحقيقة التي حاول التصريح أن يصغرها، فجعلها أكبر.





