اِرحمونا يا حفِظُكُمُ اللهُ من* *هذا الإيقاعِ القاسي!

محمَّد خلف
مثلما أنَّ السُّودانَ بلدٌ غنيٌّ بثرواتِه الزِّراعيَّة والحيوانيَّة والمعدنيَّة، فإنَّه لا يقِلُّ كذلك ثراءً من جهةِ أغانيهِ وألحانِه وموسيقاه؛ ومثلما أنَّه قُطرٌ لا يُصَنِّعُ ثرواتِه الاقتصاديَّة، ولكن يُصَدِّرُها في شكلِ منتجاتٍ خام، فإنَّه لا يقومُ بصقلِ منتجاتِه الفنِّيَّة، وإنَّما يُرسِلُها هكذا على السَّليقة؛ فبشكلٍ عامٍّ، الأغاني لا تُوضَّبُ، والألحانُ لا تُنضَّدُ، والموسيقى لا تُوزَّعُ توزيعاً علميَّاً رصيناً، بل يُغَضُّ بشأنِ التَّوزيعِ الطَّرفُ ويُفتَحُ البابُ على مصراعَيْهِ للإيقاع، لِيتحكَّمَ بزمنِه المهيمن على كافَّةِ أوجهِ الإنتاجِ الموسيقي.
صحيحٌ أنَّ الإيقاعَ ضروريٌّ للغاية في حالاتٍ تشتدُّ فيها الحاجةُ إلى الطَّرب، فتندفعُ النُّفوسُ اندفاعاً إلى حلبةِ الرَّقص؛ أو للدِّفاع عنها ضدَّ غزوٍ أجنبيٍّ، فتُحشَدُ به الطَّوابيرُ وتُجيَّشُ به الجموع؛ أو لِاضطرامِها بالشَّوقِ في ساحةِ المَولِدِ النَّبويِّ الشَّريف، “فتُضرَبُ له النَّوبَةُ ضرباً، فتئنُّ وترِنُّ”؛ ولكن عندما تدعو الحاجةُ إلى تهدئةِ النُّفوسِ وتهذيبِها، “تُنْقَرُ الدُّفوفُ” نقراً خفيفاً، وتتوارى خجلاً مثل فتاةٍ تتأبَّى على الرَّقصِ قبل وقتِ الزِّفاف، أو كموهبةٍ فنِّيَّةٍ طازَجةٍ تتحاشى تأدِيةَ الغناءِ في حفلٍ غنائيِّ عام. وعندما تخلَدُ الأرواحُ إلى الارتياحِ التَّام، تهجعُ النُّفوسُ ويصمُتُ الإيقاعُ تماماً؛ وهذا ما يُفَسِّر نِشدانَ النَّاسِ الاستماعَ بشكلٍ تلقائيٍّ إلى “أبو علي” بآلةِ العُودِ أو إلى ذلك الرَّاعي النُّموذجيِّ بقيثارتِه المصنوعةِ من القصَبِ، أوِ الإنصاتِ إلى صنوِه الهنديِّ فيما هو يعزِفُ على آلةِ سيتارٍ بسبَّابَتِه النَّحيلة.
في إنشادهِمُ العِرفانيِّ، يمتنِعُ “الإخوانُ الجمهوريُّون” بتاتاً عنِ استخدامِ الآلاتِ الموسيقيَّةِ جميعها، خَشيةً من التَّشويشِ على الصَّفاءِ الرُّوحيِّ الَّذي يستدعيه الإنشادُ وينبثقُ حثيثاً عنه. أمَّا في “سمحِ الوصوفِ”، فإنَّ أولاد حاج الماحي “يُنَقِّرونَ الدُّفوفَ” خِلسةً وعلى استحياءٍ في حضرةِ مَدحهم للنَّبيِّ الكريم، ثمَّ يشرعونَ رويداً رويداً في إدخالِ الإيقاعِ الخجول، وفي أياديهِمُ آلاتٌ من الطَّارِ كفيلةً بإقامةِ حفلٍ صاخب، إن كان الحالُ هو غيرُ الحال. ومع ذلك، فإنَّهم أوجدوا مجموعةً من الحلول لمشكلاتِ الأداءِ الغنائيِّ المسموع، فقدِ انتقلوا به في سهولةٍ ويُسر من الفرديَّةِ إلى الجماعيَّة؛ كما طوَّروا أداءَ “الكورس” من تطابقِ أصواتِ “الشَّيَّالينَ” التَّقليديِّينَ إلى تناسقِ أصواتِ الجَوقةِ الموسيقيَّة، مع انفرادِ كلِّ واحدٍ منها بميزاتِه الصَّوتيَّة؛ والأهمُّ من ذلك كلِّه أنَّهم خفَّفوا من غلواءِ الإيقاعِ وطُغيانِه القاسي، والمهيمنِ بشكلٍ واضحٍ على معظمِ أشكالِ الأداءِ الموسيقيِّ المسموعِ عبر أجهزةِ البثِّ الإذاعيِّ والتِّلفازيِّ في السُّودان.
ما قام به أولاد حاج الماحي هو بدايةٌ محلِّيَّةٌ موفَّقة، يُمكِنُ البناءُ عليها؛ صحيحٌ أنَّها ليست بدايةً مكتملةَ الأركان، ويُمكِنُ للمتخصِّصينَ في علمِ الموسيقى أن يُنبِّهونا إلى ما أحاطَ بها من جوانبِ القصور؛ ولكنَّها بالنِّسبةِ لنا، نحن غير المتخصِّصين، هي أفضلُ بما لا يُقاسُ من تجربةِ الكورالاتِ الكوريَّة الَّتي تمَّ تأدِيتُها بواسطة طلَّاب معهد الموسيقى والمسرح في السَّبعينيَّات وبداية الثَّمانينيَّات. أمَّا تجربة توزيع أغنية “الوُد” من قِبَلِ الموسيقار الإغريقيِّ المصريِّ أندريا رايدر، فإنَّها لم تلقَ استحساناً من أُذُنِ المستمع السُّودانيِّ العادي، ولكنَّها أثبتت -بما لا يدَعُ مجالاً للشَّكِّ- أهمِّيَّةَ التَّوزيعِ الموسيقي، خصوصاً إذا اكتسبَ لونيَّةً محلِّيَّة أوِ استندَ إلى ذائقةٍ سودانيَّةٍ عامَّة؛ وهو ما سعت فرقة “السَّمندل” الموسيقيَّة وفرقة “عقد الجلاد” الغنائيَّة على إرسائه، بدءاً من حقبةِ الثَّمانينيَّات. وبخصوص تجربة “بيت العود” الَّتي يصفها البعضُ بأنَّها طفرةٌ موسيقيَّة، فإنَّه لم يصدر بشأنِها حتَّى الآنَ حُكمٌ يطمئنُّ إليه غالبيَّةُ المستمعينَ السُّودانيِّين.
إلى جانب رهافةِ الحسِّ الموسيقي، فإنَّ ما نأملُ في حدوثِه بتوزيع الأغاني السُّودانيَّة هو التَّخلُّصُ من طُغيانِ الإيقاع. والإيقاعُ الموسيقيُّ في جوهرِه يقومُ أساساً على ضبطِ الزَّمن. إلَّا أنَّ الزَّمنَ ليس واحداً، بل هو كثير؛ وهو يمضي في السَّهلِ أبطأَ ممَّا هو عليه على رأسِ الجبل؛ ويُحَسُّ بمرورِه متباطئاً عند اشتدادِ الكَرَب، بينما يُشعَرُ به متسارِعاً كالسَّهمِ في حالاتِ الطَّرَب. وإنَّ أفضلَ طريقةٍ للتَّعاملِ مع الزَّمن فيما يختصُّ بالإيقاع هو تجاوُبُه مع تغيُّرِ الحالاتِ، وتشابكِ العلاقاتِ، وانبثاقِ طيفٍ متباينٍ من السِّياقات. من أجلِ ذلك، على ما نعتقد، قد خرج الشُّعراءُ العرب في مطلعِ السِّتينيَّاتِ على عمودِ الشِّعر، ليس حُكماً مُطلَقاً ضدَّ رتابةِ البحرِ الفراهيديِّ الواحد، وإنَّما استجابةً لروحِِ العصرِ الَّذي تتميَّز بثراءِ التَّجاربِ وتنوِّعِها، فاحتاجَ منهم ذلك إلى تنوُّعِ الإيقاعاتِ بحسبِ تنوُّعِ مُثيراتِ الإحساسِ وتغيُّرِ الأوضاعِ الشُّعوريَّة. فقصيدةُ التَّفعيلة، تتناغمُ مع الدَّفقةِ الشُّعوريَّة، وتُبقِي في ذاتِ الوقتِ على الوحدةِ العضويَّة للقصيدة، مع تنوُّعِِ قوافيها؛ أمَّا قصيدةُ النَّثر، فإنَّها تتخلَّصُ من الوزن، مع تعدُّدِ القوافي أو بدونِها.
تحتشدُ السَّاحةُ الفنِّيَّة بأصواتٍ جميلةٍ ومتنوِّعةٍ في طبقاتِ صوتِها من الجنسين؛ وهذه نعمةٌ كبيرة يُمكِنُ توظيفُها في الأداءِ الجماعيِّ للأعمالِ الغنائيَّةِ الكبيرة؛ هذا إذا لم يتحرَّجِ المغنُّون من أداءِ أيِّ دورٍ ضمن المجموعة الغنائيَّة. وما لفت انتباهُنا بشأنِ الإيقاع، هو أداءُ خالد محجوب الرَّائع لقصيدة حاج الماحي “سمح الوصوف”. وقد سعى خالدٌ المعروفُ في الأوساطِ الفنِّيَّة باسمِ “خالد الصَّحافة” إلى كسرِ رتابةِ القصيدةِ الطَّويلة باستخدامِ أصواتِ “الكورس” من الجنسَيْن، ولكنَّه لم يُفلِح في التَّخلُّص من تطابقِ الأصواتِ للجنسِ المنفرد، كما لم يُفلح في كسرِ حدَّة الإيقاع، مثلما فعل أولاد حاج الماحي؛ ولكن لا تثريبَ عليه، فهو قد تلقَّى تعميداً فنِّيَّاً من مصطفى سيد أحمد، الَّذي أهدى له أُغنيتَيْن (“من جديد” و”لحظات نديَّة”)، والأملُ معقودٌ أن يقتفيَ سيرتَه في تشجيعِ ذويِ الأصواتِ المتميِّزة، وأن يتفوَّقَ عليه في إشراكِهِم معه في الغناء أوِ المديح، عِوضاً عن حصرِهم في الصُّفوفِ الخلفيَّة، لأداءِ أدوارٍ ثانويَّةٍ تكتفي بترديدِ موتيفاتِ الغناءِ أوِ المديح.
وتحتشدُ السَّاحةُ الفنِّيَّةُ أيضاً بمهاراتٍ نسويَّةٍ مغايرة، تُوظِّفُ في حفلاتٍ عامَّة، ومبثوثةٍ على الهواء، إيقاعاتِ “الدَّلُّوكةِ” أوِ “الشَّتَمِ” لإضرامِ نيرانِ الحربِ الدَّائرة، فيما يتحاومُ حولهنَّ مُستجدُّو نعمةٍ وأثرياءُ طفيليُّون، لِينثروا فوق رؤوسهنَّ أوراقاً ماليَّة ذاتَ فئاتٍ نقديَّةٍ عاليةِ القيمة، ويحشرونها حشراً في حقائبهنَّ أو يُكدِّسونها تكديساً بين أثدائهنَّ سهلةِ الوصول؛ وأحياناً، يُرسِلونَ على جوَّالاتهنَّ، على مرأًى من الجميع، تحويلاتٍ رقميَّةً باهظةَ الثَّمن. وفي الجانبِ المقابل، يُوظِّفُ شبابٌ محرومونَ وعاطلونَ عنِ العمل إيقاعاً مختلفاً لتحشيدِ الشَّوارعِِ باحتجاجاتٍ مناهضةٍ لسوءِ توزيعِ الثَّروةِ وفرصِ العمل، ويُطرِقونَ على الصَّفائح طرقاً بلا انقطاع، ويُعبِّأونَ حناجرَهم بهتافاتٍ مناوئةٍ لاستمرارِ الحرب، هذا فيما هم يدَّخرونَ إيقاعاً آخرَ لأهازيجِ نصرٍ محتملٍ وانتفاضةٍ قادمة.





