غاب البرهان.. وظهر مع القبة

بقلم : إبراهيم هباني

غاب عبد الفتاح البرهان عن المشهد منذ زيارته إلى مسقط، وترك وراءه فراغا ملأته التأويلات.

لم يكن الغياب عاديا في توقيته ولا في سياقه، لكن الأهم لم يكن في الغياب ذاته، بل في طريقة العودة. ظهر الرجل فجأة، لا وحده، بل إلى جانب النور القبة، في لقاء رسمي بثته منصة الجيش، وبحضور رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية.

صورة واحدة؛ لكنها تختصر ما لا يقال.

ففي السودان، لا تقرأ الصور على ظاهرها. حين يغيب رأس السلطة في لحظة معقدة، ثم يعود مصحوبا بشخصية ميدانية قادمة من ضفة أخرى من الصراع، فإن الرسالة لا تكون بروتوكولية.

هذا ليس مجرد لقاء. بل إعلان غير مباشر بأن هناك ما تغيّر في العمق.

القبة لم يكن غائبا حتى يظهر، لكنه لم يكن أيضا في هذا الموقع. انتقاله من الهامش إلى واجهة الصورة، وبهذا المستوى من الحضور، يشير إلى إعادة ترتيب أدوار، لا مجرد استيعاب فرد.

وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالبندقية، فإن مثل هذه التحركات لا تتم صدفة.

المشهد في الخرطوم اليوم لا يتجه نحو حسم، ولا يبدو أنه يقف على عتبة تسوية مكتملة. فما يجري أقرب إلى “إدارة انتقال”: ضبط للقوى، إعادة توزيع للنفوذ، وتقليص لهوامش الحركة خارج المسار المرسوم. لا أحد يستبعد تماما، لكن لا أحد يترك طليقا كما كان.

اللافت أن هذا كله يجري بهدوء محسوب. لا ضجيج، لا تصريحات كبرى، ولا إعلان عن اتفاق. فقط وقائع على الأرض، وصور تحمل أكثر من معنى. كأن من يدير المشهد يدرك أن الإعلان المبكر قد يفسد ما يحضر له.

في الخلفية، لا تتوقف الأحاديث عن تفاهمات تختبر، ومسارات ترسم بعيدا عن الأضواء.

قد لا تكون الصورة مكتملة بعد، لكن اتجاهها واضح: تقليل الفوضى، وتثبيت ميزان قوى جديد، تمهيدا لمرحلة مختلفة.

السؤال لم يعد: ماذا حدث؟
بل: لماذا حدث الآن وبهذه الطريقة؟

في بلادي العزيزة، لا تعلن التحولات الكبرى. تبدأ بصورة، ثم تتحول إلى واقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى