كيف يمكن حماية المدنيين بينما المسيّرات تعربد في الاجواء

بقلم : حيدر المكاشفي 

لم تعد الحرب المدمرة في السودان تُخاض فقط على الأرض، لقد صعدت إلى السماء، هناك حيث لا ملاجئ ولا إنذارات تتحول المسيّرات إلى مقاصل طائرة تحصد أرواح المدنيين بلا تمييز. وما تكشفه الوقائع اليومية ليس مجرد تطور في أدوات القتال، بل انحدار أخلاقي خطير، فالحرب صارت تدار عن بعد، بلا مواجهة وبلا مسؤولية مباشرة وبلا أدنى اعتبار لحياة البشر.. المعلومات الميدانية تؤكد أن الضربات شبه اليومية بالمسيّرات لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل باتت تضرب الأسواق والمنازل والمستشفيات، مخلفة عشرات القتلى في كل مرة . والأخطر من ذلك أن هذه الضربات تأتي غالباً دون إنذار، ما يحرم المدنيين حتى من فرصة الهروب. إنها حرب تسقط فكرة الخطأ العسكري وتستبدلها بسياسة الضرر المقبول، حيث يُختزل الإنسان إلى رقم في تقرير لاحق. ولأن الطرفين عجزا عن تحقيق نصر حاسم على الأرض، لجآ إلى المسيّرات كحل يعتبرونه (ذكي) بإلحاق أكبر قدر من الخسائر بأقل تكلفة وبأدنى مخاطرة على القوات . لكن هذا (الذكاء العسكري) هو في حقيقته غباء إنساني فادح، إذ ينقل المعركة إلى قلب الأحياء السكنية، ويحوّل كل تجمع مدني إلى هدف محتمل. وهكذا لم تعد هناك مناطق آمنة، بل فقط مناطق لم تُقصف بعد. والمفارقة العجيبة تظهر حين ننظر إلى المبادرات الدولية، بما فيها مخرجات برلين، التي ترفع شعار (حماية المدنيين) دون أن تجرؤ على تسمية الخطر الأكثر فتكاً اليوم وهي المسيّرات. إذ كيف يمكن الحديث عن حماية المدنيين بينما تترك السماء مفتوحة لهذه الآلات القاتلة، أي حماية هذه التي لا تبدأ بحظر الأداة الأكثر استخداماً في قتل المدنيين.. إن الدعوة إلى حماية المدنيين دون فرض حظر واضح على استخدام المسيّرات، تشبه إصدار بيان ضد الغرق مع الإبقاء على الثقوب في السفينة. بل إنها تمنح غطاءً سياسياً لاستمرار القتل، عبر الاكتفاء بلغة إنسانية عامة لا تلزم أحداً بشيء. فالمبادرات التي لا تضع خطوطاً حمراء واضحة، ولا ترفقها بآليات رقابة وعقوبات، تتحول إلى مجرد بيانات علاقات عامة لا أكثر. فالمسيّرات بطبيعتها سلاح مثالي لانتهاك القانون الدولي الإنساني، فهي رخيصة، سهلة الاستخدام وتسمح بالإنكار، ويمكن إطلاقها من مسافة آمنة، ويمكن دائماً الادعاء بأن الهدف كان عسكرياً. لكن الواقع كما تثبته الوقائع على الأرض أن الضحايا هم في الغالب مدنيون، وأن الأثر يتجاوز القتلى إلى نشر الرعب، وتعطيل الحياة وتدمير ما تبقى من بنية اجتماعية هشة. وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في حماية المدنيين، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون واضحة وصريحة بحظر استخدام المسيّرات في الحرب ، أو على الأقل فرض قيود صارمة عليها تحت رقابة دولية فعالة. دون ذلك سيظل الحديث عن حماية المدنيين مجرد شعار جميل يرفرف فوق سماء مليئة بالموت. وفي حرب السودان اليوم لم تعد المشكلة فقط في من يضغط على الزناد، بل في من يسمح بوجود الزناد أصلاً. وبينما ينشغل العالم بصياغة بيانات متوازنة، تستمر المسيّرات في كتابة الحقيقة الوحيدة على الأرض وهي أن المدنيين يقتلون، وأن السماء لم تعد سقفاً للحماية، بل مصدراً دائماً للرعب. والحرب في السودان لم تعد تحتاج إلى جيوش تتقدم ولا دبابات تقتحم. بل يكفي زر صغير وضمير أصغر، لتسقط مسيّرة من السماء وتنجز المهمة بقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين بأقل قدر من الإزعاج حتى للفاعل نفسه. فلا مواجهة ولا مخاطرة ولا حتى شجاعة الكذب. تضغط الزر تحتسي قهوتك وتتابع نشرات الأخبار التي تتحدث عن خسائر جانبية في سوق شعبي أو مستشفى أو منزل كان مكتظاً بالحياة قبل دقائق.. الوقائع على الأرض تقول إن هذه الطائرات الصغيرة سواء كانت انتحارية رخيصة أو استراتيجية متطورة صارت تضرب كل شيء تقريباً، الأسواق، البيوت، المستشفيات . أي أنها باختصار لا تميز بين هدف عسكري وطفل يحمل خبزه إلى البيت. بل لعلها تفضل الثاني، لأنه أسهل وصولاً وأقل تكلفة. ولأن الطرفين فشلا في حسم المعركة قررا ببساطة تعميمها، بلسان حال قائل إذا عجزنا عن هزيمة بعضنا فلنهزم المجتمع كله. وهكذا أصبحت المسيّرات الحل العبقري، تدمير بلا تقدم، قتل بلا انتصار، حرب بلا نهاية. إنها حرب اقتصادية فعلاً تقلل كلفة القتال، وتضاعف كلفة الحياة. أما المجتمع الدولي فما زال يكتفي برفع الشعارات الكبيرة (حماية المدنيين). عبارة رنانة تصلح لكل شيء إلا الحماية. لأن السؤال البسيط الذي لا يريد أحد طرحه هو كيف، كيف تحمي مدنياً من مسيّرة لا تُرى ولا تُسمع إلا لحظة الانفجار، كيف تحمي سوقاً مفتوحاً من آلة صممت خصيصاً لضرب التجمعات، كيف تحمي مستشفى من سلاح لا يحتاج إلى سبب حقيقي ليستهدفه، الإجابة المختصرة لا يمكنك. والإجابة الأطول لا يمكنك ما لم تحظر المسيّرات نفسها. والمفارقة الفاضحة هنا ان هناك عالم يتحدث عن حماية المدنيين، بينما يتجنب ذكر الأداة التي تقتلهم يومياً. كأنك تدين الحريق لكنك تتحرج من إغلاق صنبور الغاز المشتعل. والحقيقة التي لا تحتاج إلى مؤتمرات هي ان المسيّرات اليوم باتت هي السلاح الأول لقتل المدنيين في هذه الحرب. وأي حديث عن الحماية لا يبدأ من هنا، هو بكل بساطة حديث عن لا شيء. وفي السودان اليوم لم تعد السماء زرقاء بل صارت رمادية، مثقلة بالشك، ومحمّلة باحتمال الموت في أي لحظة. ومع كل بيان دولي جديد، يتأكد للناس أن المشكلة ليست فقط في من يطلق المسيّرات، بل أيضاً في من يكتفي بمراقبتها وهي تقوم بالمهمة..

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى