في رثاء مزن النيل: “لقد حمل صوتها رسالة ثورة السودان إلى العالم أجمع”

بقلم : آن ألكسندر – socialistworker

كانت آخر مكالمة لي مع مزن النيل في 28 مارس. لم يكن واتساب يعمل بكفاءة، فاضطررنا لاستخدام سيجنال. بدا صوتها هادئًا بعض الشيء، لكنه ظل واضحًا ومباشرًا.
لم تكن تداعيات الصراع المحيط بمكان إقامتها في المنفى، بعد التصعيد المرتبط بـ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تجاه إيران، قريبة بما يكفي لتصل إليها. مازحتني قائلة إن الخليج “منطقة حرب مريحة للغاية” – على الأقل من زاوية نظر بعض الناس.
تلك القدرة على اقتناص لحظة خفيفة وسط أجواء الحرب والدمار كانت سمة اعتدت عليها منها. لم تكن تعبيرًا عن تحدٍ متعالٍ أو استعراض في وجه اليأس، بل انعكاسًا لإيمان عميق بأن الحياة، ومعها حلم التغيير، يمكن أن يستمرا رغم كل الظروف.

تطرق حديثنا إلى الحرب في إيران وصلتها بالنزاع الذي ضرب السودان منذ نحو ثلاث سنوات. وكما هو معتاد، اتسع النقاش ليشمل موضوعات متعددة، من حروب الطائرات المسيّرة، إلى احتياجات الطاقة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، مرورًا بتحولات الإنتاج الصناعي، ووصولًا إلى سبل مواجهة الفاشية. وكالعادة، لم يكن إنهاء الحديث أمرًا سهلاً.

كل نقاش جديد كان يفتح مسارات أوسع للفهم والتحليل، ويستدعي الغوص فيها بعمق أكبر. وفي نهاية المطاف، وجدت نفسي مضطرًا لإنهاء المكالمة للحاق بمظاهرة لتحالف “معًا” المناهض لليمين المتطرف، على أمل لقاء قريب نواصل فيه ما بدأناه.

على مدى خمس سنوات من معرفتي بموزان، ظل التواصل بيننا قائمًا عبر صوتها، سواء من خلال مكالمات هاتفية، أو صور غير واضحة أحيانًا، أو رسائل إلكترونية ونصية. وفي تلك المكالمة الأخيرة في مارس، تطرقنا إلى فكرة اللقاء المباشر أخيرًا، رغم ترددها في الالتزام بذلك بسبب الأوضاع غير المستقرة.

بدأت أحاديثنا المطولة لأول مرة في أوائل عام 2021، ضمن سلسلة مقابلات كلفت بها منظمة الاشتراكية الدولية، لإعداد مادة بمناسبة مرور عشر سنوات على موجة الثورات التي انطلقت من تونس في أواخر 2010. في تلك الفترة، كانت الانتفاضة السودانية التي أطاحت بـ عمر البشير في أبريل 2019 لا تزال حاضرة بقوة.

وكانت البلاد تشهد انتشارًا واسعًا لآلاف “لجان المقاومة” المحلية، في وقت كان فيه تحالف هش يجمع بين قادة ميليشيات النظام السابق وبعض السياسيين الإصلاحيين الذين وصلوا إلى السلطة بعد سقوط البشير، يتفاوضون حول كيفية إدارة الدولة.

نُشرت مزن مقالاً في السادس من أبريل/نيسان 2021، أي بعد مرور عامين تمامًا على سيطرة عشرات الآلاف من المتظاهرين على الساحة المقابلة للقيادة العامة للجيش في الخرطوم، حيث أقاموا اعتصامًا شكل ضغطًا كبيرًا أدى في النهاية إلى اهتزاز قيادة الجيش وسقوط نظام عمر البشير.

في روايتها لتفاصيل الانتفاضة الشعبية الواسعة عام 2019، سلطت مزن النيل الضوء على الترابط العميق بين معركة إنهاء القمع ومواجهة النظام الاستبدادي، مشددة على حقيقة أساسية مفادها أن هذه الثورة كانت تقودها النساء في جوهرها.

وقالت: “لقد خاضت النساء معارك عديدة حتى قبل أن يخرجن إلى الشوارع. فالمواجهة لا تبدأ عند الاحتكاك مع الشرطة أو أجهزة الأمن. هؤلاء ليسوا الخصوم الأوائل، بل إن النضال بدأ منذ وقت طويل، داخل الأسرة، وحتى في الشارع، من أجل انتزاع الحق في التواجد في الفضاء العام.”

وأضافت: “لا أتحدث فقط عن الاحتجاجات، فالنساء يواجهن صراعًا يوميًا حتى في أبسط تفاصيل حياتهن، مثل التنقل من المنزل إلى العمل عبر وسائل النقل العام. بالنسبة لهن، لم يكن النضال أمرًا طارئًا كما هو الحال لدى كثير من الرجال.”

لاحظت مزن كيف بدأت الحركة المتصاعدة في تغيير نظرة الناس إلى العنصرية، ومنحتهم الثقة لرفض أكاذيب الطبقة الحاكمة. لطالما استغلت الحكومة السودانية النزعة القومية العربية وحشدت ميليشياتها في هجمات إبادة جماعية ضد سكان دارفور.

لكن مع تسارع وتيرة الثورة، بدأ ذلك السم يتلاشى. عندما حاولت الحكومة إلقاء اللوم على الدارفوريين في الاحتجاجات، انطلقت هتافات جديدة ضد البشير: “يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور”.

كانت مزن أكثر من مجرد شاهدة عيان على قوة الحركة التي اندلعت على شاشات ملايين الهواتف في أبريل 2019. لقد كانت واحدة من ألمع قادتها الفكريين وأكثر محلليها وضوحًا.

وتوقع آخرون انتقالاً سلساً إلى الحكم المدني. لكنها كانت تحذر من المخاطر التي يشكلها ترسيخ قادة الميليشيات التابعة للنظام القديم – قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع – في الحكومة التي يُفترض أنها “ثورية”.

أصرّ دبلوماسيو الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مرارًا وتكرارًا على أن جنرالات القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع سيتعلمون في نهاية المطاف سلوكًا أفضل. لكن مزن كان من بين الأصوات السودانية القليلة حذرت من خطر دمج قادة الميليشيات (الجيش والدعم السريع) في السلطة، مؤكدة أن التنظيم الشعبي الذاتي هو الضمانة الوحيدة للتغيير.

خلال عامي 2021 و2022، حللت مزن بعمق صراع السلطة المزدوجة، مراقبةً تنامي دور لجان المقاومة وتصلب مواقفها عقب انقلاب أكتوبر 2021. حينها، قام جنرالات الجيش وقوات الدعم السريع باعتقال حلفائهم المدنيين في السلطة، منقلبين على المسار الانتقالي للاستفراد بمقاليد الحكم بشكل كامل.

لم تكتفِ مزن برصد الأحداث ظاهرياً، بل سعت لتفكيك جذورها؛ ففي حوار استثنائي عام 2022، كشفت عن ثغرات التأطير الجغرافي للجان المقاومة. كما سلطت الضوء على العقبات التي واجهت ثوار المدن أمام استراتيجيات السلطة الرامية لشق الصف عبر خلق فجوة بين الحراك الحضري وقضايا فقراء الريف.

وعلاوة على ذلك، قدمت تشريحاً دقيقاً للتباينات الفكرية داخل الحراك؛ إذ رأت في لجان مقاومة “مدني” مشروعاً لإعادة هيكلة الدولة من القاعدة، مدعوماً برؤى واضحة للعدالة الاقتصادية. في المقابل، انتقدت غلبة النزعة الإصلاحية الفوقية على لجان “الخرطوم”، التي ركزت على الهياكل السياسية مع إغفال جوهر الصراع المتمثل في السيطرة على موارد الإنتاج وآليات التوزيع.

تلاشى التوازن الواهن بين الزخم الشعبي وقوى الثورة المضادة في أبريل 2023، حين أشعلت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع نيران حرب لا تزال تلتهم أطراف السودان، مخلفةً موجات نزوح مليونية ومجاعة ودماراً واسعاً. وفي خضم هذا الجحيم، انصرفت مزن لتوثيق التحول الجذري للجان المقاومة إلى “غرف طوارئ”، كنموذج وليد للتكافل الشعبي يوفر مقومات البقاء، واصفةً هذا التصدي المجتمعي للحرب بأنه “فعل ثوري أصيل”.

وبمنهجية تحليلية، يمكن تتبع مسار هذا التطور من مجرد “استجابة اضطرارية” وارتجال تنظيمي، نحو صياغة رؤية لهياكل مستدامة تضطلع بتوفير الخدمات وإدارة القرار السياسي والاقتصادي. إن هذه “المجالس الشعبية” المرتقبة ستكون، وفقاً لجوهر الثورة، ساحات حقيقية للحوار السياسي، بعيداً عن أروقة النخب المنعزلة التي لا تلامس واقع الشعب ومعاناته.

بدأت مزن مقالها “المسار الثوري للسودان ضد الحرب” مستعينةً باقتباس من كتيب جونيوس للمناضلة روزا لوكسمبورغ (1915)، والذي نادى بتحويل الحروب إلى ثورات ضد النظام الرأسمالي. لم يكن الاقتباس مجرد زخرف بلاغي، بل عكس قناعة عميقة تجلت في نقاشاتنا الطويلة حول دروس الهزيمة في الثورة الألمانية؛ وهي ذات الكلمات التي وظفتُها في تحليلي للميليشيات المعادية للثورات في زمن الأزمات الوجودية للدول.

وحينما شاركت مزن في مهرجان الماركسية لاحقاً، عجزت تقنيات عزل الصوت في “زووم” عن حجب دوي القصف الذي كان يهز خلفية حديثها. ورغم تلك الأهوال، أصرت على توثيق صمود التنظيم الشعبي الذاتي، وهو ما تكلل في عام 2025 بصدور كتيب حررتُه وشاركت هي في تأليفه لصالح منظمة “تضامن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، لتعريف النقابيين والناشطين بجوهر القضية السودانية. ومع ذلك، لم تغفل مزن الحديث بمرارة عن واقع الهزيمة الثورية، مُرجعةً أسبابها إلى الإخفاق السياسي للجان المقاومة وضعف القيادة السياسية للحراك الشعبي.

في مقال محوري نُشر في أبريل 2024، واجهت مزن ان هذا التساؤل بوضوح، مُرجعةً جذور الإخفاق إلى “الافتقار لتحليل جاد لطبيعة الدولة كأداة بيد الطبقة المسيطرة”. فمع اشتعال فتيل الحرب، سقط الكثير من الناشطين في فخ الوهم بإمكانية تقويم القوات المسلحة، استناداً فقط إلى ادعائها الشرعية المؤسسية بصفتها “جيشاً وطنياً”.

وقد سجلت في كتاباتها: “لقد استنزفت لجان المقاومة شهوراً في محاولة يائسة للجمع بين نقيضين: غاية الثورة في تقديس الحياة البشرية وجعلها أولوية قصوى، وغاية الثورة المضادة المتمثلة في صون هيكل الدولة”. إن الإقرار بالهزيمة مع التمسك بالأمل يتطلب جسارة استثنائية، وهنا برزت حُجج مزن الرصينة والمثابرة، التي كان لها الفضل الأكبر في حماية أنقى أجيال الثورة السودانية من السقوط في مستنقع الخطاب القومي المتطرف أو كراهية الأجانب.

استثمرت مزن ذات الرصانة الفكرية في إدارة حوارات محورية مع نشطاء الحراك الفلسطيني، محذرةً من الانزلاق وراء تعميمات قاصرة تدمج قسراً بين نموذج الاحتلال والاستيطان في فلسطين وطبيعة الحرب في السودان.

كانت تدرك أن هذا الخلط لا يخدم سوى السرديات الشوفينية المتطرفة التي تبثها دوائر في السلطة موالية لقيادة الجيش، والتي تسعى لترسيخ صورة “الأجنبي” عن قوات الدعم السريع. فمثل هذا التبسيط كان سيحجب الجوهر الحقيقي للصراع؛ بوصفه انشقاقاً دامياً داخل النخبة الحاكمة التي تصارعت على تقاسم المغانم، بينما كانت تشترك معاً في شن ثورة مضادة شرسة ضد تطلعات الشعب.

مهما بلغت دقة هذه السطور، فإنها ستظل عاجزة عن الإحاطة بشمولية مزن أو إنصاف مواهبها المتفردة وسخائها الفكري والوجداني. فقد طرقت مجالات السياسات الصناعية والزراعية وتقنيات المستقبل بذات البراعة والتدفق الذي ميز تحليلاتها للحركات الراديكالية.

لقد قدمت الثورة السودانية للإنسانية عطاءً لا يُقدر بثمن، متمثلاً في ذلك الأفق الرحب الذي تفتحه الإرادة الجماعية للبسطاء. وبالنسبة لقطاع عريض منا، ظلت مزن هي الصوت الجسور الذي عبر برسائلهم نحو أقاصي الأرض. وأينما استقرت بذور الأمل التي نثرتها بعناية، فليكن لها أن تضرب بجذورها وتزدهر وتنمو.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى