الى اين المآل حين يطرد الجمال

مؤيد الأمين

في بلدٍ أنهكته الحرب، لم تعد المأساة تقاس بعدد القتلى فقط، بل بعدد الأرواح التي تُقتل وهي ما تزال حيّة. ما جرى أخيراً بحق الفنانين السودانيين في بورتسودان ليس مجرد قرار إداري بالإخلاء، بل إعلان صريح عن طبيعة سلطة ترى في الفن خطراً، وفي الجمال عدواً، وفي الإبداع تهديداً يجب اقتلاعه.

مجموعة كبيرة من الفنانين، تشكيليين وموسيقيين ودراميين، وجدوا أنفسهم فجأة أمام أمر إخلاء قسري للأماكن التي احتموا بها منذ اندلاع الحرب. هؤلاء لم يكونوا متجاوزين للقانون ولا طامعين في امتيازات، بل نازحين فقدوا بيوتهم ومدنهم، واحتموا بما توفر لهم من سقف يحمي أسرهم وأطفالهم. واليوم تُدفع بهم السلطة إلى الشارع، بلا بديل، بلا خطة، بلا أدنى حس إنساني.

هكذا تتصرف سلطة الأمر الواقع في بورتسودان: سلطة هلامية بلا شرعية أخلاقية، تمارس قوتها فقط على الأضعف. حين يموت الفنان، ويُهان المعلم، ويُسحق الطفل، يصبح السؤال أكبر من حادثة إخلاء؛ أي دولة هذه التي تحارب من يصنعون الحياة؟

الأزمة ليست فردية، وليست مرتبطة بمساكن مؤقتة. إنها امتداد تاريخي لمشروع طويل بدأ منذ تسعينات القرن الماضي، حين أغلق الإسلامويون المعهد العالي للموسيقى والمسرح، وضُيّق على المبدعين، وطُرد الفن من الفضاء العام، واستُبدلت الثقافة بالخوف، والوعي بالهتاف، والجمال بالقبح المنظم. ما يحدث اليوم ليس صدفة، بل حلقة جديدة في ذات السلسلة القديمة: تجفيف منابع الإبداع حتى لا يبقى في المجتمع صوت حر أو خيال قادر على الحلم.

السلطة التي تخاف الأغنية، تخاف الفكرة قبلها. والتي تطارد المسرحي والتشكيلي، إنما تحاول إعادة تشكيل المجتمع على صورتها؛ مجتمع بلا ذاكرة، بلا نقد، بلا حساسية إنسانية. فالفنان ليس مجرد صاحب موهبة، بل حامل معنى، وصانع وجدان، وشاهد على الحقيقة. ولذلك يصبح وجوده مزعجاً لكل نظام يعيش على الجهل والطاعة العمياء.

ما يحدث اليوم يبدو كأنه محاولة متعمدة لإذلال النموذج الجيد في المجتمع. فحين يُدفع الفنان إلى التشرد، ويتحول المعلم إلى ضحية، ينشأ الأطفال في بيئة ترى اللص بطلاً، والجاهل قائداً، والعنف طريقاً وحيداً للبقاء. بدلاً من أن يزرع الطفل ورداً أو يتعلم عزف لحن، يجد نفسه أمام عالم يُكافئ القسوة ويعاقب الجمال.

هذه ليست أزمة فن، بل أزمة إنسان. أزمة وطن يُطلب من مبدعيه أن يموتوا بصمت حتى لا يزعجوا ضجيج الفشل. فالسلطة التي لا تستطيع بناء مدرسة أو مسرح، تختار دائماً أسهل الطرق: هدم ما تبقى.

السودان اليوم لا يخسر الفنانين وحدهم، بل يخسر روحه. وحين يُطرد الجمال من الوطن، لا يبقى سوى الخراب سيداً للمشهد. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح موجع: إلى أين يُراد لهذا البلد أن يسير، إذا كان كل ما يضيء فيه يُطفأ عمداً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى