أكثر من 100 ألف نازح في النيل الأزرق يواجهون كارثة إنسانية وشيكة

أفق جديد
في مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، تتكدس معاناة إنسانية متصاعدة تنذر بانفجار وشيك مع اقتراب موسم الخريف، هنا داخل نحو عشرة مراكز إيواء مؤقتة، يعيش أكثر من 100 ألف نازح في ظروف قاسية بعد أن أجبرتهم موجات العنف على الفرار من مناطقهم، خاصة من الكرمك وقيسان.
مؤخرًا أعلنت قوات “الدعم السريع” تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة “باو” بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم “الدمازين”. كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة “الكرمك” الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 176 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.
وأبلغ نشطاء “أفق جديد”، أن الوضع الإنساني داخل مراكز النزوح بلغ مستويات حرجة، حيث يشكل الأطفال نحو 40% من إجمالي النازحين، بينما تمثل النساء وكبار السن ما يقارب 60%، ما يعكس هشاشة التركيبة السكانية داخل هذه التجمعات، ويضاعف من تعقيدات الاستجابة الإنسانية.
وشهدت مناطق “السلك” و”سلك أحمر” و”ملكن” بمحلية باو، في 25 يناير الماضي، اشتباكات عنيفة أدت إلى تدهور سريع في الأوضاع المعيشية، ودفع آلاف السكان إلى الفرار من منازلهم، ليواجهوا ظروفًا إنسانية قاسية تتسم بانعدام المأوى ونقص الغذاء والدواء ومياه الشرب.
ويُعد إقليم النيل الأزرق من الولايات الحدودية جنوب شرق السودان، حيث يجاور إثيوبيا ودولة جنوب السودان، ويضم سبع محليات إدارية، من بينها الدمازين والرصيرص وباو والكرمك.
تزايد المخاطر
تصاعدت وتيرة النزوح الجماعي عقب الهجمات التي طالت مدينة الكرمك ومناطق مجاورة، والتي أدت إلى فرار آلاف المدنيين بحثًا عن ملاذ آمن إلا أن الرحلة من الخطر إلى الأمان لم تنهِ معاناتهم بل نقلتها إلى شكل آخر أكثر بطئًا وأشد قسوة.
تقول أم نازحة (35 عامًا) في حديثها لـ”أفق جديد”: “خرجنا من الكرمك ونحن لا نحمل سوى أطفالنا، تركنا كل شيء خلفنا في البيت، الذكريات وحتى الطعام. الآن نقضي أيامنا في انتظار وجبة قد لا تأتي، أطفالي يسألونني كل ليلة متى نعود؟ ولا أملك إجابة”.
في مراكز الإيواء، تتجلى الأزمة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، نقص حاد في الغذاء، شح في مياه الشرب النظيفة وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية، ومع تكدس النازحين في مساحات ضيقة، تتزايد المخاطر الصحية بشكل مقلق، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية وانعدام خدمات الصرف الصحي الملائمة.
تحذر التقارير الطبية من انتشار متزايد للأمراض خصوصًا الأمراض المرتبطة بالمياه والتلوث البيئي، ومع محدودية الإمكانيات الطبية، يجد المرضى وخاصة الأطفال وكبار السن أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع أمراض يمكن الوقاية منها في ظروف طبيعية.
ويشير النشطاء إلى أن غياب التدخلات العاجلة قد يؤدي إلى تفشي أوبئة واسعة النطاق، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار، الذي غالبًا ما يفاقم الأوضاع الصحية في مناطق النزوح بسبب الفيضانات وتلوث مصادر المياه.
تهديد مضاعف
يقول رجل مسن (65 عامًا) في حديثه لـ”أفق جديد”: “لم أكن أتخيل أنني سأعيش هذه الأيام، نجوت من الحرب لكنني لا أعرف إن كنت سأنجو من المرض أو الجوع هنا، لا يوجد دواء ولا رعاية وحتى الماء أحيانًا يكون ملوثًا، نحن نعيش يومًا بيوم ونحن على أبواب فصل الخريف.”
لا يمثل الخريف في هذه السياقات مجرد تغير موسمي، بل عاملًا مضاعفًا للأزمة. فمع هطول الأمطار تصبح مراكز الإيواء الهشة أكثر عرضة للانهيار وتتحول الأراضي الطينية إلى بيئة خصبة لتكاثر الحشرات ونواقل الأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك.
كما أن انقطاع الطرق بسبب الأمطار يهدد بعزل هذه التجمعات ما يعقد وصول المساعدات الإنسانية ويؤخر الاستجابة الطارئة في لحظات حرجة.
بينما تقول شابة (22 عامًا): “أكبر مخاوفي ليست الجوع فقط، بل انعدام الأمان، نحن النساء نعيش قلقًا دائمًا، خاصة في الليل لا يوجد إضاءة كافية ولا حماية حقيقية، نشعر أننا منسيون.”
في ظل هذا المشهد القاتم، أطلقت النشطاء نداءً عاجلًا إلى المنظمات الدولية والجهات الإنسانية، مطالبين بتدخل فوري وشامل لتدارك الكارثة قبل وقوعها، وتشمل الأولويات توفير الغذاء، المياه النظيفة، الأدوية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية، إلى جانب اتخاذ تدابير لحماية المدنيين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
وذكرطفل (12 عامًا) في حديثه لـ”أفق جديد”: “كنت أذهب إلى المدرسة في قيسان، وكان عندي أصدقاء كثيرون، الآن لا توجد مدرسة هنا، نقضي اليوم كله بلا شيء نفعله، أريد أن أعود للدراسة.”
وذكرت امرأة حامل (28 عامًا) بالقول: “أنا في شهري السابع، ولم أرَ طبيبًا منذ أن نزحنا، أخاف على نفسي وعلى طفلي، لا توجد رعاية صحية حقيقية هنا، فقط مسكنات وأمل ضعيف”.
وقال متطوع محلي داخل مركز إيواء في حديثه لـ”أفق جديد”، “نحاول قدر الإمكان مساعدة الناس، لكن الإمكانيات محدودة جدًا، عدد النازحين كبير، والاحتياجات تتزايد يومًا بعد يوم، أكثر ما يقلقنا الآن هو انتشار الأمراض مع اقتراب موسم الأمطار”.
ما يحدث في الدمازين اليوم ليس مجرد أزمة نزوح عابرة، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة لأزمات صامتة تتفاقم بعيدًا عن الأضواء. ومع اقتراب الخريف، تضيق نافذة التدخل ويصبح إنقاذ الأرواح مرهونًا بسرعة التحرك وفعاليته.
في تلك المراكز المكتظة لا ينتظر النازحون بيانات القلق بل خطوات عملية تعيد إليهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية قبل أن تتحول معاناتهم إلى كارثة يصعب احتواؤها.





