السودان بين جدلية الحرب والسلام ..تأملات في مصير الدولة المدنية

بقلم : الهادي الشواف

الحرب كجدل أبدي بين الماضي والمستقبل:

الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023م تبدو كأنها مجرد نزاع مسلح على السلطة فحسب ولكنها في الواقع  تفجر عدد من الاسئلة الجدلية والجودي العميقة حول معنى الدولة ومفهومها وحدود السلطة وعن إمكانية العيش المشترك في ظل توظيف واستغلال التنوع لتكريس الانقسام بدلًا عن الاحتفاء به باعتباره مصدر غنى وثراء للدولة السودانية، فالسودان يضم أكثر من خمسمئة قبيلة ولكل منها لغتها وعاداتها وتقاليدها ما يجعل التنوع ثراءً هائلاً لكنه في الوقت نفسه يستغل في التحشيد للحرب، وهنا يطرح السؤال الجدلي هل التنوع هو أساس الهوية الجامعة أم أنه لعنة تفتح الباب أمام النزاعات؟ إن إدارة هذا التنوع بعدل هو الشرط الأول لبناء دولة مدنية ديمقراطية وإلا سيظل التنوع وقوداً للحروب، فالحرب في هذه الحالة ليست حدثاً عابراً ولكنها في الاساس تمثل انعكاس لأزمة وجودية تتعلق بكيفية تعريف الدولة نفسها هل هي كيان مدني يقوم على المواطنة والعقد الاجتماعي والقانون أم أنها استغلال للتنوع وامتداد لقوة السلاح وهيمنة العسكر؟.  

 إن سلسلة الحروب المستمرة منذ ما قبل الاستقلال ودائرة الانقلابات العسكرية الجهنمية وتكاثر الميليشيات والمجموعات المسلحة ليست أحداثاً عابرة ولكنها تعتبر دلالات وعلامات على أزمة أعمق وانكاس لازمة بنيوية تتجسد في أزمة عقد اجتماعي لم يكتب بعد وسؤال أبدي عن ما إذا كان دولة المواطنة والمؤسسات والقانون يمكن أن تنتصر على السلاح والفوضى أو أن الماضي سيظل يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية في دوامة مستمرة لا فكاك منها.

الحرب كإعادة إنتاج للتاريخ والميليشيات كرمز لانهيار الدولة: 

منذ استقلال السودان ظلت الحروب ونزعات التمرد عى الدولة والانقلابات العسكرية تتكرر كأنما هو قدر محتوم وكأن الزمن يسير في دائرة مغلقة وكأن التاريخ يعيد نفسه كل مرة دون كلل أو ملل بلا نهاية، حيث حصدت الحروب ارواح عزيزة وادت إلى فصل الجنوب واحداث انقسام مجتمعي ودمرت البلاد وظل العسكر يتناوب على السلطة عبر البندقية دون أن ينجحوا تأسيس دولة مستقرة، هذه الدائرة المغلقة تطرح سؤالاً واقعيًا هل يمكن للشعب السوداني أن يتحرر من ماضيه أم أن الماضي يظل يطارده كظل لا ينفك عنه؟ بهذا المعنى الحرب أصبحت ليست مجرد حدث سياسي مطلبي فحسب لكنها تجاوزت ذلك إلى إعادة إنتاج لتاريخ لم يحسم بعد وجدل لا ينتهي.  

وفي ذات السياق ظلت تتناسل الميليشيات والمجموعات المسلحة كتجسيد ساطع لانهيار فكرة الدولة الحديثة نفسها وتحولها إلى كيانات متنازعة، وهي بهذا المعنى تعلن أن السلطة لم تعد حكراً على المؤسسات ولا يحكمها القانون بل أصبحت موزعة بين قوى متنازعة كل منها يفرض شرعيته بالقوة السلاح، ووجود هذه المليشيات المسلحة يطرح سؤالاً عن معنى السيادة وحدود سلطة الدولة هل السيادة هي احتكار الدولة للعنف المشروع أم أنها القانون الذي يضمن العيش المشترك؟ والسلطة هي من تدير الامور أم أن كليهما أي السلطة والسيادة مجرد وهم يتبدد حين تتعدد مراكز القوة؟ فالسودان اليوم يعيش بين وهم القوة وحقيقة القانون، بين سلطة البندقية وسلطة النصوص الدستورية، في صراع يعكس أزمة الدولة الحديثة في صورتها الأكثر هشاشة.  

وفي ذات المسار نجد كل محاولة لبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان تصتدم ببنية ممانعة متينة من العسكرتارية والرأسمالية وجماعة المصالح المتحالفة مع بعضها والمسيطرة على مفاصل الاقتصاد والدولة، ويظل مشروع الدولة المدنية كحلم مؤجل وكأن المستقبل يظل رهينة الماضي لكن تجارب الحياة تعلمنا أن التحرر من الماضي لا يعني نسيانه بقدر ما يعني تجاوزه عبر وعي جديد، فهل يستطيع السودانيون أن يصوغوا وعياً جماعياً يصنع قطعية فكرية ومعرفية مع إرث الانقلابات والميليشيات والنزاعات المسلحة ويؤسس لمستقبل مختلف؟  

الوعي الجماعي كشرط لتجاوز دوامة السلاح وصناعة العنف:

السلام في السودان لا يمكن أن يختزل في اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة؛ إنه مشروع وجودي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة وبين الجماعة والهوية الوطنية، والسلام المستدام يعني أن يتجاوز السودانيون منطق الغلبة العسكرية وأن يؤسسوا لعقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع وإدارته بدلًا عن إنكاره أو قمعه.  

السؤال الأعمق ليس فقط كيف نتخلص من التمليش عبر آليات الندمج والتسريح؟ بل في كيف نتجاوز ذلك الشكل التقليدي المتعارف عليه وفشل في أكثر من اختبار منذ اتفاقية جوزيف لاقو وحتى أخر اتفاقية، لنعبر إلى سؤال أكثر عمقًا وهو كيف نعيد صياغة معنى الانتماء بحيث لا يجد الفرد نفسه مضطراً إلى حمل السلاح ضد الدولة لكي يثبت وجوده أو يسترد حقوقه؟ إن برامج الدمج والتسريح رغم أهميته في أي اتفاقية سلام الا أنهما ليست سوى أدوات فنية وتقنية جافة تحتاج إلى معادل أكثر عمقًا يعمل على تجفيف منابع العنف عبر الاشتغال على التنمية المتوازنة والتعليم ورفع الوعي بمفهوم الدولة المدنية ودولة المواطنة ودولة القانون والعدالة والعقد الاجتماعي، ويتمثل التحدي الحقيقي في بناء وعي جماعي جديد يجعل من الدولة المدنية إطاراً جامعاً لا مجرد سلطة مفروضة من أعلى، إن تجاوز دوامة السلاح يتطلب أن يدرك الفرد أن القوة والبندقية ليست الطريق الوحيد والمناسب لتثبيت الوجود واستردات الحقوق بين ابناء الوطن الواحد بل هناك مسارات اخرى منها التاسيس لانتماء إلى عقد اجتماعي يحمي الجميع ويضمن حقوقهم.  

خاتمة:

السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق وجودي إما أن يظل أسيراً لليل السلاح الكالح حيث يعيد التاريخ إنتاج نفسه في دوامة لا تنتهي من التمليش والحروب والانقلابات العسكرية، أو أن يكتب فجره بمداد السلام ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية حديثة يكون القانون فيها هو المرجعية الوحيدة، وإن يكون السؤال الحقيقي ليس ما السبيل لنتجاوز عصر التمليش ومتى تنتهي الحرب وكيف نقطع دابر الانقلابات العسكرية؟ بل هل يستطيع السودانيون أن يتجاوزوا إرثهما النفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ويصوغوا مستقبلاً جديداً يليق بتضحياتهم؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى