كوستي تحت القصف: أرواح تُزهق ومحطات وقود تحترق

أفق جديد
شهدت مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض جنوبي البلاد، الثلاثاء الماضي، حادثة دامية إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدف محطتي وقود داخل المدينة، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة تسعة آخرين، وفق ما أفادت به كوادر طبية محلية، في وقت تتسع فيه رقعة العمليات العسكرية لتطال مرافق مدنية حيوية في عدد من مناطق البلاد.
ويأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة ضربات جوية شهدتها مدن كوستي وربك وكنانة خلال الأيام الماضية، طالت منشآت خدمية ومرافق اقتصادية، من بينها مصنع للسكر، ما أدى إلى أضرار واسعة في البنية التحتية، وخلق حالة من الإرتباك في الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
تصعيد عسكري
وقالت مصادر طبية في كوستي إن “خمسة مدنيين قتلوا وأصيب تسعة آخرون جراء استهداف مباشر لمحطتي وقود داخل المدينة”، مشيرة إلى أن بعض المصابين حالتهم حرجة ويخضعون للعلاج وسط إمكانيات طبية محدودة.
وتعكس طبيعة الاستهداف – بحسب شهادات محلية- تحولًا مقلقًا في مسار النزاع، حيث باتت المرافق المدنية، بما فيها محطات الوقود والأسواق والبنية التحتية الخدمية، عرضة للهجمات المتكررة، وهو ما يفاقم معاناة السكان ويزيد من هشاشة الوضع الإنساني.
وفي خضم هذا التصعيد، تتبادل الأطراف العسكرية في السودان الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجمات. وتقول مصادر عسكرية إن قوات الدعم السريع تقف وراء استخدام طائرات مسيّرة في استهداف مواقع داخل ولايات النيل الأبيض وجنوب وشمال كردفان، إضافة إلى العاصمة الخرطوم.
كما أُثيرت في الأيام الأخيرة تصريحات منسوبة لمتحدث عسكري سوداني تحدث فيها عن “أدلة” على تورط أطراف خارجية في دعم عمليات عسكرية داخل السودان، وهي اتهامات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل، ولم يصدر بشأنها رد رسمي من الدول المشار إليها حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
شهادات من الميدان
في شوارع كوستي التي ما زالت آثار الدخان والدمار بادية فيها، يروي سكان محليون لحظات القصف التي حولت يومهم العادي إلى حالة من الذعر والفوضى.
يقول عبد اللطيف أحمد لـ”أفق جديد”: “كنا واقفين في طابور الوقود عندما سمعنا صوت انفجار قوي، بعدها ثوانٍ فقط واشتعلت النيران في المحطة. الناس ركضت في كل اتجاه، لم نكن نعرف أين نذهب أو كيف نساعد المصابين”.
ويضيف: “المدينة أصبحت غير آمنة. كل يوم نسمع عن ضربات عنيفة في مكان مختلف. حتى الحصول على الوقود صار مخاطرة”.
أما أمير الهادي فيروي لـ”أفق جديد”: “كنت أريد تعبئة جالون بنزين للمولد. فجأة كل شيء انقلب رأسا على عقب، شفت النار والدخان، وناس بتصرخ. فقدنا الإحساس بالأمان تمامًا”.
انهيار الخدمات
إلى جانب الخسائر البشرية، يهدد استمرار استهداف المرافق الخدمية بتفاقم الأزمة المعيشية في المنطقة، خصوصاً مع اعتماد السكان الكبير على محطات الوقود في تشغيل المركبات والمولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار الكهربائي.
ويؤكد عامل في القطاع الصحي بكوستي لـ”أفق جديد”، أن المستشفيات تواجه ضغطًا متزايدًا، ويضيف: الإصابات التي تصلنا أغلبها حروق وجروح خطيرة. هناك نقص في الأدوية والمحاليل الطبية، ونواجه صعوبة في التعامل مع الحالات المتزايدة”. وتابع: أن الوضع الصحي في المدينة “يقترب من حدود الانهيار إذا استمرت الهجمات بهذا الشكل”.
تحذيرات إنسانية
أدانت جهات طبية وناشطون إنسانيون استهداف المرافق المدنية، معتبرين أن ذلك يشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية المدنيين والبنية التحتية غير العسكرية أثناء النزاعات المسلحة.
ويرى مختصون أن استهداف محطات الوقود تحديداً يضاعف الأزمة الإنسانية، لأنه لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد ليؤثر على حركة النقل والإمدادات الغذائية والخدمات الأساسية، مما ينعكس على حياة مئات الآلاف من السكان.
حياة تحت الخوف
في الأسواق القريبة من موقع القصف، تبدو مظاهر الحياة شبه مشلولة. بعض المتاجر أغلقت أبوابها، فيما يفضل آخرون تقليص ساعات العمل خوفاً من ضربات جديدة.
يقول تاجر محلي لـ”أفق جديد”: ““نفتح المحل لساعات قليلة فقط. الزبائن خائفون، ونحن أيضاً لا نعرف متى يمكن أن يحدث قصف جديد”.
وتشير هذه الحالة إلى تحول تدريجي في نمط الحياة اليومية داخل المدينة، حيث باتت الحركة الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بدرجة عالية من المخاطر الأمنية.
في ظل هذا الوضع، تتصاعد الدعوات المحلية والدولية إلى ضرورة وقف استهداف المدنيين والمرافق الحيوية، والعمل على ضمان حماية السكان وفقاً للمواثيق الدولية.
كما تطالب جهات طبية وإنسانية بتوفير ممرات آمنة لإيصال الإمدادات الطبية والإنسانية، وتخفيف الضغط على المستشفيات التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة.
أزمة مرشحة للتفاقم
يرى مراقبون أن استمرار استهداف المدن في النيل الأبيض يعكس تحولًا خطيرًا في مسار الحرب، حيث لم تعد المواجهات محصورة في مناطق الاشتباك العسكري، بل امتدت إلى قلب الحياة المدنية.
ومع تزايد الهجمات وتدهور الخدمات الأساسية، تتعمق الأزمة الإنسانية في المنطقة، بينما يبقى المدنيون هم الأكثر تضرراً، في ظل غياب واضح لأي مؤشرات على تهدئة قريبة.
وفي كوستي، كما في مدن سودانية أخرى، يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه السكان اليوم: إلى متى تستمر الحرب داخل تفاصيل حياتهم اليومية؟





