في ختام مهرجان المسرح العربي بالقاهرة

الهاربات التونسية تقتنص جائزة سلطان القاسمي

غاب السودان عن الخشبة وحضر علي مهدي

مشاركة فاعلة للسودانيين في اللجان الإدارية

وزير الثقافة المصري: مشاركة أكثر من 700 مبدع في الاحتفالية

إسماعيل عبد الله: القاهرة تظل قبلة المسرحيين العرب

أفق جديد

ليلةٌ قاهريةٌ مشبعةٌ بالضوء، أسدل فيها الستار على الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، لا بوصفها خاتمةً احتفالية فحسب، بل باعتبارها بيانًا فنيًا جديدًا يؤكد أن المسرح العربي ما يزال قادرًا على أن يقول كلمته العالية في زمنٍ مضطرب، وأن يستعيد، من فوق الخشبة، معنى الرسالة والدهشة معًا.

لم تكن تلك الليلة مجرّد طقس ختامي أو لحظة بروتوكولية تتبادل فيها الخطب والتكريمات، بل بدت أقرب إلى لحظة كشف، أو استراحة تأمل جماعي، يتوقف فيها المسرحيون العرب قليلًا لينظروا إلى ما أنجزوه، وإلى ما لم يُنجز بعد. القاهرة، التي لطالما شكّلت مركز الثقل الثقافي العربي، بدت في تلك الأيام وكأنها تستعيد إحدى طبقات ذاكرتها العميقة، لا بوصفها مدينة للماضي، بل مدينة قادرة على احتضان الأسئلة الراهنة بكل قلقها وتعقيدها.

من العاشر وحتى السادس عشر من يناير، تحولت دار الأوبرا المصرية والمسارح المحيطة بها إلى فضاء حيّ تتجاور فيه اللهجات، وتتصادم المدارس المسرحية، وتتناسل الأسئلة حول معنى المسرح ودوره في زمن تتراجع فيه القيم الكبرى، وتعلو فيه أصوات الحرب والانقسام. تنظيم الدورة جاء ثمرة شراكة واضحة بين الهيئة العربية للمسرح ووزارة الثقافة المصرية، تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدّد»، وهو شعار لم يُطرح هذه المرة بوصفه وعدًا سهلًا، بل كأفق إشكالي مفتوح: تجديد ماذا؟ وبأي أدوات؟ ولصالح من؟

افتتاحٌ يستدعي الجذور

في حفل الافتتاح، جاءت كلمة أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة المصري، أقرب إلى نص مسرحي مكتمل البناء. لم يكتفِ الرجل بالترحيب التقليدي، بل استدعى الذاكرة العميقة للمكان حين قال:

«أهلًا بكم على أرض الكنانة، أرض الحضارة والإبداع، حيث صاغ أجدادنا قبل آلاف السنين قصصًا مسرحية خالدة».

كان في العبارة وعيٌ واضح بأن المسرح العربي لا يولد من فراغ، وأن القاهرة، بما راكمته من سرد وحكي وطقوس، ليست مجرد مستضيف، بل شريك في المعنى.

تابع الوزير مؤكدًا أن انعقاد المهرجان على أرض مصر «يجدد الإيمان بدور المسرح بوصفه فنًا حيًا، ومساحة حرة للفكر والتنوير، ومرآة صادقة تعكس قضايا الإنسان العربي وطموحاته». ومع تزامن الفعاليات مع اليوم العربي للمسرح، بدت الكلمة كأنها تضع المسرح في موقعه الطبيعي: لغة جامعة، قادرة على تجاوز الحدود السياسية، وجعل العربية لغة للمشهد والحوار والمعنى، وحاضنة للتنوّع والاختلاف الخلّاق.

وحين أشار الوزير إلى مشاركة أكثر من سبعمائة مبدع عربي في هذه الدورة، لم يكن الرقم هو اللافت وحده، بل ما يعكسه من تعطّش المسرحيين العرب إلى منصة جامعة، وإلى فضاء يتقاطع فيه الإبداع مع الحرية بعيدًا عن الاصطفافات.

«الهاربات»… مسرح الأسئلة الثقيلة

في قلب هذا المناخ، جاء تتويج العرض التونسي «الهاربات» ليشكّل اللحظة الأكثر كثافة في المهرجان. العرض، من كتابة وإخراج وفاء طبوبي، لم يتقدّم بوصفه حكاية خطّية أو خطابًا جاهزًا، بل كتجربة شعورية مفتوحة، تشتغل على الجسد بوصفه أرشيفًا، وعلى الصمت بوصفه لغة لا تقل بلاغة عن الكلام.

«الهاربات» عرض عن نساء، نعم، لكنه في العمق عرض عن الإنسان حين يُحاصر، عن الذات وهي تبحث عن فجوة ضوء في جدار كثيف من الخوف والقهر والذاكرة. الهروب هنا ليس فعلًا جبانًا، بل ردّ فعل إنساني على واقع خانق، ومحاولة لإعادة تعريف النجاة. عبر إيقاع داخلي دقيق، وباقتصاد صارم في السينوغرافيا، ترك العرض مساحته للمتلقي، لا ليستهلك المعنى، بل ليتورّط فيه.

فوز «الهاربات» بجائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي، بعد منافسة مع ثلاثة عشر عرضًا عربيًا، بدا تتويجًا لمسار جمالي يراهن على العمق لا الصخب، وعلى الأسئلة لا الشعارات. كان الاعتراف هنا اعترافًا بنوع من المسرح لا يساوم على حساسيته، ولا يلهث خلف الإبهار السريع.

لحظة التتويج

حفل الختام، الذي أُقيم على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، حمل طابعًا احتفاليًا مشوبًا بالتأمل. حضور وزير الثقافة، إلى جانب إسماعيل عبد الله، منح اللحظة بعدها الرسمي، لكن حرارة التصفيق، وملامح الوجوه، أعادت التوازن لصالح الوجدان.

في كلمته، أكّد إسماعيل عبد الله أن القاهرة تظل قبلة المسرحيين العرب، وأن اجتماعهم على أرضها «عيد مسرحي» حقيقي، تتجدد فيه وحدة الإبداع العربي، رغم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية. بدا الخطاب كأنه يقول: المسرح، حين يفشل السياسي، يبقى مساحة اللقاء الممكنة.

السودان… الغياب الذي صار حضورًا

كان غياب العروض السودانية عن الخشبة مؤلمًا، لكنه مفهوم في سياق حرب طاحنة دمّرت البنية الثقافية كما دمّرت غيرها. ومع ذلك، لم يكن السودان غائبًا عن المهرجان. حضر حضوره الهادئ والعميق: في القاعة، في النقاشات، وفي اللجان.

شارك الفنان علي مهدي عضوًا في لجنة التحكيم، مساهمًا بخبرته الطويلة في قراءة العروض وتقييمها، في حضورٍ مهني يعكس مكانة المسرح السوداني رغم الظروف. كما تشرف المهرجان بحضور الباحث والمسرحي د. يوسف عيدابي، الذي مثّل ذاكرة المسرح السوداني وأسئلته المؤجلة، وشارك العديد من النقاد والممثلين السودانيين في لجان إدارة المهرجان.

الجمهور السوداني بدوره كان حاضرًا بكثافة، في الافتتاح والختام، وفي متابعة العروض، وكأن هذا الحضور الجماعي يقول إن المسرح، حتى حين تُغلق مسارحه في الوطن، يظل حيًا في الوعي، وفي الشغف، وفي الرغبة في المشاركة.

مشهد عربي متعدّد… بلا أوهام

تكريم العروض المشاركة كافة رسم لوحة بانورامية لمشهد مسرحي عربي متعدّد، فيه التجريبي والجمالي، وفيه التقليدي والمحافظ، وفيه محاولات جريئة وأخرى مترددة. هذا التنوّع، كما رأت الناقدة المغربية بشرى عمور، يصب في مصلحة المشاهد العربي، لأنه يمنحه فرصة نادرة لرؤية الاختلاف لا الهروب منه. أما الناقدة البحرينية زهراء المنصور، فاعتبرت أن تفاوت المستويات علامة صحة، لا ضعف، لأنه يفتح باب الحوار والتعلّم.

لجنة التحكيم… حين يصبح النقد ضرورة

تقرير لجنة التحكيم، الذي تلاه الفنان كامل الباشا، جاء بلغة مهنية صارمة، شدّد على سلامة الممثل، واحترام شروط العرض، وأهمية ترجمة العروض باللهجات المحلية إلى العربية الفصحى دون تشتيت المتلقي. كانت تلك التوصيات بمثابة تذكير بأن التجديد لا يعني الفوضى، بل الانضباط الواعي.

ما بعد الستار… المسرح كنجاة

حين أُطفئت أنوار مسرح الأوبرا الكبير، لم ينتهِ المهرجان. الأسئلة التي أثارها ظلّت معلّقة: أي مسرح نريد في زمن الحروب؟ وكيف نحمي الخشبة من التحوّل إلى خطاب أجوف؟ وهل يستطيع المسرح العربي أن ينجو بالجمال وسط هذا الركام؟

في هذا المعنى، لم تكن «الهاربات» مجرد عرض فائز، بل استعارة كبرى لحال المسرح العربي نفسه: مسرح يهرب من السائد، من التكرار، من السطح، ليبحث عن نجاةٍ ما… بالجمال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى