هل الكاتب إله شخوصه الروائية؟
ثروت همت
_________________________
عزيزي عبد الغني كرم الله،
تشابكت خيوطي، وما حَملَت من أفكار، فترددت كثيراً، من أين أبدأ، من فكرة الموت، أم من ثِقل الاغتراب الذاتي، واللاانتماء النفسي (الذي يتمثل هنا في شخص مصطفى سعيد)، أم من العلاقة بين الخالق ومخلوقاته، أما سبب ترددي فهو أن محاور الأفكار المذكورة أعلاه، صاغت أحرفي في الآونة الأخيرة، وتمسكت بنات أفكاري بتلابيب عباءاتها، وغزلت منها نول الخيال.
إذن سأبدأ من حيث انتهى الغائبون، وكم تمنيتُ عودتهم لتنويرنا بميتافيزيقيا صدئ من عمقها البشر، الموت يا صديقي يعتلي هرم الحياة، شأنه شأن الإنجاب والنمو، يتهيأ في صمت حولنا، نهيل عليه السواد، ونسدل عليه حجباً سماوية، حرية شُوشت بدوافع الفقد، شأنه شأن النُّبل، والإنسانية السامية، حاول أن تتذكر، كل المعاني الصادقة والنبيلة من حولك، هالة الحزن التي تتلبسها، والصدق أو النبل دائماً منوط بالحزن.
كتبت إليك من قبل، عن مدى يقيني بالموت، ولا سبب من إعادة نقل تلك الكتابة هنا. لكن يا صديقي سَديم واقعٍ متكثف، سَطَمَ أرواحنا، وسَدَمَ عقولنا، فذبلت بها الإنسانية، وتجردت من أسمى معانيها؛ رنين الحياة الصاخب حولنا، وإن دلّ فإنه يدل على أنها جوفاء، قرعة، تَقَيَّأَت ما ببطنها فتناسلت منها طينة البشرية، فقاعات هواءٍ، تخرج من تجاعيد الأرض، أجيال تصعد من تراب، ثم تهوي كالشهب عليه، بعد أن أحرقتها أشعة شمسٍ، كشفت ظلمات الحياة.
ديمومة متبلدة، تعيد صيرورتها. الحالك فينا، يشرئب فارهاً ضد نقيضه، ونحن نكتب، ونهرب خلف سراب واقع بعيد عن ما كتبناه.
لا شيء حقيقي حقاً يخرج حياً من أفكارنا، بل هي مداد أحرف صيغت بأيدٍ خفية، لا شيء جديد، مومياوات أفكارهم التي تكفي لتحنيط أفكارنا، وينتج عنها نفط يدير محركات أفكار نشء قادم.
تساءلت عن علاقة الخالق بالمخلوق، عرجتَ بأفكارك إلى نيتشه، الذي دعا الذات الفردية إلى الارتقاء، والوصول إلى فكرة الإنسان الأعلى، ومنها يصل إلى منزلة الإله، والمعبود، وهكذا يكون الفرد إله أناه الخاصة، وهيأ نفسه ليكون الرسول المبشر لهذا الإله، فُصلب على ألواح كتاباته ذاتها، بعد أن فتك به الإنسان اللامنتمي داخله، نيتشه فطن للوجود من حوله يا كرم الله، إنسانية مجردة من معناها، زيف، خلل أخلاقي، سياسي، ديني، من حوله، كل ذلك على أيدي مخلوقات الخالق، تساءل ذات ألم، وإحباط مبكر، وهو ما يزال في الثامنة عشرة من عمره: كيف لا تحمل المخلوقات روحاً، ونوراً من خالقها؟ حقاً كيف؟
قلتَ لمصطفى سعيد، (مات إلهك)، لكنك جانبت صواباً يا صديقي، فبحسب رأيي لم يكن الطيب صالح إلهاً له، بل كان مصطفى سعيد، فالكاتب يكتب، ليصنع واقعاً افتقده في عالمه، والقاص يصنع أبطاله ليشخص فيهم معتقداته، وينطق بما لم يفصح عنه بنفسه.
مصطفى سعيد، روح! جسد شُيّدَ من خيالات وأحلام ورؤى، فهل قُبرت روح مصطفى سعيد؟ لا بل هل قُبرت روح خالقه، بعد قبر جسده؟
بالرغم من أن نظرتي لشخص مصطفى سعيد، تختلف كثيراً عن نظرتك له، التي تجلت عبر هذه الرسالة، رسالتك، إلا أنني أشفق عليه من عذابات الوحدة، أو الوحدانية المضللة، وأنا هنا لا أتحدث عن وحدانية الجسد، بل وحدانية الروح الرتيبة، وهي أشد وطأة من وحدانية الجسد الذي يمكننا إسكات صراخه وهزيعه، ولكن كيف لنا قبر وحدانية الروح، ظني أنها تظل طليقة حتى بعد قبر الجسد، فهل تُقبر الأرواح؟
أوَ تعلم يا عبد الغني، لو سألتني من قبل، إلى من تبعث برسالتك هذه، لما رجّحت خيار مصطفى سعيد، بغض النظر عن تفسيري للتجاوزات التي في شخصه، هل تظن أنه تأثر لموت خالقه حقاً، هو الذي وأد الإحساس قديماً، وجرد حزنه من فقد الآخرين، على كل حال، كان خياري لك سيتجه نحو الزين، فهو صادق جداً، وإنساني جداً، لم تزيفه معالم التمدن، والإتيكيت، وبرود الإنجليز اللاذع، هو حقيقي لأقصى مدى في الحقيقة، حزنه حقيقي، سعادته حقيقية، مشاعره حقيقية، يمكنني تخيل نظرة الاستغراب في عينيه، عند تسلمه لرسالتك، سيتساءل عن المرسل، ولكن قلبه سينشرح بالفكرة، التي ستهدم إحساسه بالنفي والرفض، الذي يواجهه من المجتمع بسبب إنسانيته تلك، ينادي أحد الفتية، لقراءتها له، بعد أن يعده بشراء زجاجة (بارد) من أجله، ينفد صبر الصبي من محاولاته شرح الرسالة للزين، يرمي الصبي الرسالة في وجه الزين، وينعته بالغباء، يختطف زجاجة (البارد) ويركض بعيداً، ليبتسم الزين.
غريب هذا الزين في كرم أخلاقه، يبتسم في وجه من تعمدوا أذيته، هم يظنون ابتسامته دليلاً إضافياً على الغباء، وما أدركوا أن تحت الابتسامة جرحاً غائراً، تسببوا في تخليده، أو كما قال العم محجوب يوماً: كل الجروح بتروح، إلا التي في الروح.
شيء أخير يا صديقي؛ في مجال الكتابة الدلالة تكون في ذروة اغواءها عندما تختبئ وراء ما يحرض ذهن القارئ بأتجاه المغامرة التصويرية أو بأتجاه الخلق الممتع لعوالم غير مكتشفة.
لك السلام ومنك السلام
ثَرْوَتْ هِمَّتْ
فبراير 2010


