السودان يحترق … أيها السادة في مجلس الأمن الدولي …

حاتم ايوب ابوالحسن
مرة أخرى تجتمعون، ومرة أخرى يُدرج إسم السودان على جدول أعمالكم، كأنه بند موسمي يعود كلما اشتد الدخان. الفرق الوحيد أن الدخان هذه المرة ليس مجازاً بل مدناً كاملة تختنق، وأناساً حقيقيين لا يعيشون في تقاريركم بل تحت القصف والجوع والخوف.
السودان اليوم ليس حرباً خاطفة ولا أزمة عابرة. هو بلد عالق بين بندقيتين، تتنازعان ما تبقى من الدولة، بينما العالم يناقش “أهمية التهدئة”. التهدئة! كلمة أنيقة تُقال في قاعة مكيفة، لكنها في الخرطوم وأمدرمان تعني: ليلة أخرى بلا كهرباء، بلا أمان، بلا يقين.
يتداول الدبلوماسيون همساً احتمال تغيير المبعوث الأممي، خلفاً لـ رمطان لعمامرة ممثل الأمم المتحدة. حسناً، غيّروا الاسم إن شئتم. لكن هل ستغيّرون الأدوات؟ المشكلة لم تكن يوماً في الشخص، بل في حدود التفويض. مبعوث بلا أنياب قرار يشبه طبيباً يُطلب منه إنقاذ مريض فيما يُمنع عنه الدواء.
تقولون إن الملف معقد. بالطبع هو معقد. لكنه ليس غامضاً. هناك حرب يجب أن تتوقف. هناك سلاح يجب أن يصمت. وهناك مسار سياسي يجب أن يُفتح. ما عدا ذلك تفاصيل تُستخدم غالباً لتأجيل الحسم.
تصريحات ممثلي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعدم ترك الأزمة للعسكريين تحمل نبرة صحيحة، لكنها تظل كلمات ما لم تُترجم إلى ضغط حقيقي. لأن إعادة إنتاج تسوية مغلقة بين البنادق لن تصنع سلاماً، بل هدنة قصيرة تلد حرباً أطول. السودان لا يحتاج صفقة بين قادة السلاح، بل مساراً مدنياً واسعاً يشارك فيه المعلمون، الشباب، قادة المجتمع الذين حلموا بدولة مختلفة قبل أن تُختطف أحلامهم.
الحديث عن توحيد الجهود الإقليمية عبر الاتحاد الإفريقي ودول الجوار يبدو فرصة أخيرة قبل الانزلاق الكامل. فالسودان يتأثر بضغط محيطه أكثر مما يتأثر بخطابات بعيدة. إن اتحد الإقليم على أولوية وقف الحرب، يمكن فرض هدنة جدية. وإن انقسم، ستطول المأساة وتتحول إلى نزيف بطيء يعتاده العالم كما اعتاد أزمات أخرى.
لنكن صريحين، وبقليل من السخرية المسؤولة: العالم بارع في صناعة البيانات، أقل براعة في صناعة السلام. كل طرف دولي يعلن حرصه على السودان، لكن حين يحين وقت القرار، تظهر الحسابات. السودان ليس أولوية مطلقة لأحد، وهذه هي الحقيقة التي يدفع ثمنها شعب كامل.
في المدى القريب، الأرجح أننا أمام هدنة جزئية أو إنسانية، توقف بعض الرصاص ولا توقف جذور الصراع. أما السلام الشامل، فلن يولد من رحم المجاملات الدبلوماسية، بل من ضغط حقيقي يفرض وقف إطلاق نار ملزماً بجدول زمني واضح، يعقبه انتقال سياسي مدني لا يُدار من خلف الستار.
السؤال الذي سيكتبه التاريخ ليس: كم اجتماعاً عقد مجلس الأمن؟ بل: هل امتلك الشجاعة ليتجاوز بيانات “القلق العميق” إلى قرارات توقف الحرب فعلاً؟
السودان لا يطلب المستحيل. يطلب فقط أن يتحول اهتمامكم من خبر عاجل إلى فعل عاجل. لأن الدول لا تنهار في يوم واحد، بل تنهار حين يعتاد العالم مشهد احتراقها… ويواصل الاجتماع.





