إمكانية نجاح مساعي الرباعية في تحقيق هدنة إنسانية

الهادي الشواف
تشهد الأزمة السودانية جهوداً مكثفة من اللجنة الرباعية (المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، جمهورية مصر العربية، والولايات المتحدة الأمريكية) بدعم من الأمم المتحدة، للتوصل إلى هدنة إنسانية تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار وإعادة المسار المدني، هذه المساعي تأتي في ظل وضع إنساني بالغ التعقيد، حيث يواجه ملايين المدنيين خطر المجاعة والنزوح المستمر، وتتواصل عمليات القتل والانتهكات رغم دخول شهر مضان الكريم، الذي كان عشم السودانين أن تكون فيه هدنة إنسانية، بحسب مضمون مذكرة القوى المدنية والسياسية التي رفعتها لطرفي النزاع، ولكن ذهبت أحلامهم ادراج الرياح.
دوافع ومقومات النجاح:
من أهم العوامل التي تمثل غطاءً دوليًا وتشكل رافعة مهمة لمساعي الرباعية، أعلان الأمم المتحدة دعمها الكامل للمبادرة، حيث شدد الأمين العام أنطونيو غوتيريش على أن “الأزمة الإنسانية في السودان دخلت مرحلة كارثية” ودعا إلى “التحرك العاجل لإسكات البنادق وفتح مسار جاد نحو السلام”، وتبعتها جلسة مجلس الامن الدولي ودعوته لوقف فوري للقتال في السودان، وكذلك دعت بريطانيا والنرويج وايرلندا وهولندا والمانيا لتكوين تحالف دولي لمنع الفظائع في السودان، وياتي تعين الفليندي بيكا هافيستو مبعوثًا خاصًا لللسودان لاستكمالا لذات العوامل.
وكذلك نجد أن التوافق الإقليمي والدولي يشكلا رافعة أخرى للمبادرة الرباعية، حيث أكد وزراء خارجية الدول الأربع في بيان مشترك أن النزاع في السودان تسبب في “أسوأ أزمة إنسانية عالمية ويهدد السلم والأمن الإقليميين”، وشددوا على أنه “لا حل عسكرياً للأزمة”، وتأتي الحاجة الإنسانية الملحة على قمة اولويات الرباعية حيث دعت إلى هدنة أولية لمدة ثلاثة أشهر لتمكين دخول المساعدات الإنسانية بسرعة إلى جميع أنحاء السودان، على أن تقود مباشرة إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية انتقالية شاملة خلال تسعة أشهر.
التحديات القائمة:
على رأس هذه التحديات غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، فالتجارب السابقة أظهرت هشاشة في الالتزام بالاتفاقات، ما يجعل أي هدنة عرضة للانهيار اذا لم تتوفر الارادة الكافية من طرفي النزاع، ولم تتبعها رقابة دولية متشددة وضغط عالي لكل الأطراف، وكذلك من أهم التحديات تعدد مراكز القوى وصنع القرار، فوجود فصائل مسلحة مختلفة يعقد عملية التنفيذ ويضعف الرقابة، وايضًا تمثل الانتهاكات المستمرة واستمرار استهداف المدنيين نقطة ضعف أساسية في تضيق فرص بناء أرضية مشتركة بين الاطراف المتنازعة، وقبل هذا وذاك تشكل الممانعة المستمرة من فلول النظام البائد المتحكمة في قرار الجيش عقبة وتحدي أساسي أمام أي تقدم لمساعي الرباعية في الوصول إلى هدنة إنسانية.
مقارنة أولية لأدوار دول الرباعي:
الولايات المتحدة تركز على دعم الانتقال المدني وتسعى إلى تحقيق استقرار نسبي في السودان لحماية مصالحها الاستراتيجية، وتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي، وتقليل نفوذ روسيا والصين، وتعمل ايضا على توفير غطاء دولي للسلام عبر الضغط الدبلوماسي وفرض العقوبات وتوفير الدعم الإنساني، والضغط المتواصل لدفع الأطراف للتفاوض، وفي المقابل تتهم بأنها تفرض أجندة خارجية وتتجاهل الخصوصية السودانية.
السعودية وسيط تقليدي يسعى لمنع تمدد النزاع وأنتشار الفوضى، وتعمل من أجل تحقيق استقرار في البحر الأحمر، وحماية الملاحة البحرية ومصالحها الاقتصادية، وتركز على تعزيز دورها كقوة إقليمية مؤثرة، وتعمل على احداث توازن في علاقاتها مع الجيش والدعم السريع، وتهتم بالوساطة السياسية وتسهيل الحوار وتقديم المساعدات الإنسانية والدعم المالي، وعلى صعيد اخر تتهم بالانحياز لأحد طرفي النزاع حفاظاً على مصالحها.
الإمارات تعمل على تعزيز نفوذها الإقليمي بالاستثمار في الموانئ والذهب، بالاضافة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية، وتسعى لدعم جهود الوساطة، ويتوقع منها الاستثمار في إعادة الإعمار بعد ايقاف الحرب، وقد ينظر لتدخلها كتعزيز نفوذ اقتصادي لمصلحتها على حساب الاستقرار السياسي، وتتهم بعلاقات مباشرة مع الدعم السريع وهي تنفي ذلك بشكل رسمي.
مصر الدولة الجارة والتي استقبلت وأوت أكبر عدد من الوافدين بسبب الحرب، تعمل لمنع تهديد أمنها القومي وحماية حدودها وتقليل تدفق اللاجئين، وتتمتع بعلاقات قوية ومعلنة مع الجيش، وتعمل من أجل تعزيز نفوذها في وادي النيل من خلال الضغط السياسي، وتركز على دعم الاستقرار ومنع تفكك السودان على الاقل في خطابها الرسمي، وفي ذات الوقت تتهم بالتركيز على مصالحها الأمنية أكثر من الحل السياسي الشامل.
من خلال هذه المقارنة الأولية نلاحظ أن دول الرباعية ليست منسجمة تماماً؛ فهي تتفق على ضرورة إنهاء الحرب والانتقال السياسي، لكنها تختلف في تفاصيل الأهداف وأدوات التدخل، وطبيعة مصالح كل واحدة منها يعزز هذا التباين، وهذا التباين قد يكون مصدر قوة إذا أُدير بتوازن معقول، لكنه قد يتحول إلى عائق إذا غلبت المصالح الخاصة على المصلحة السودانية.
الاتهامات الموجهة:
في المقابل، هناك اتهامات من بعض الأطراف السودانية بأن دولاً من الجوار أو أطرافاً إقليمية تقدم دعماً عسكرياً أو مالياً لأحد طرفي الصراع، على سبيل المثال، قائد قوات الدعم السريع حميدتي اتهم مصر بالتدخل إلى جانب الجيش السوداني، كما أشار إلى إيران وأذربيجان وروسيا، ووجه أيضاً أصابع الاتهام إلى واشنطن والاتحاد الأوروبي.
وفي ذات السياق فأن دولة الإمارات وجهت إليها اتهامات من أطراف سودانية عديدة بأنها تمد قوات الدعم السريع بالمال والسلاح وتقدم له دعمًا لوجستيًا، رغم نفيها لهذه الاتهامات رسميًا، اما الاتهامات للسعودية والولايات المتحدة أقل حدةً وغير مباشرة، لكن بعض الأصوات السودانية ترى أن ضغوطهما السياسية تميل لصالح الجيش.
*الخاتمة والخلاصة:*
خلاصة القول ومن خلال دوافع ومقومات النجاح والتحديات الماثلة، وبالاضافة إلى المقارنة ما بين أدوار دول الرباعية وعدم انسجامها والاتهامات المتبادلة لبعضها بدعم هذا الطرف أو الاخر، وأمكانية نجاحها في تحقيق هدنة إنسانية، نجد أنها تختلف في أدوات تدخلها، فبعضها تعتمد على الضغط السياسي والدبلوماسي (أمريكا)، بينما أخرى تستخدم النفوذ الاقتصادي أو العلاقات المباشرة مع الأطراف المسلحة (الإمارات، مصر)، وأحياناً يظهر تنافس غير معلن بين هذه الدول قائم على توازن النفوذ، ويتمركز حول من يقود الوساطة ويكسب النفوذ الأكبر في السودان.
وهذه يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في عملية تقدم المساعي ونجاحها، ومن أهم إيجابيات هذه المساعي توفر إطاراً موحداً يقلل من تعدد المبادرات المتناقضة، ويعطي الأزمة السودانية أولوية دولية، ومن أهم سلبياتها غياب الانسجام الكامل بسبب اختلاف الأجندات، وهذا قد يؤدي إلى حلول جزئية أو متناقضة، ويجعل العملية السياسية عرضة للتعثر.





