مقصلة التأريخ ونفقه المظلم .. ماذا بعد قطع الرأس فى إيران ؟!

علاء الدين بشير
بدأت أمريكا وإسرائيل هجمات جوية ضد النظام الإيراني بهدف إسقاطه ،واغتالت فى أولى ضرباتها رأس النظام الإيراني،المرشد الأعلى خامنئى وعدد كبير من قادته . واشنطن وتل أبيب ودول المنطقة تريدها حربا خاطفة . لكن لا أحد يعلم شيئا عن تدابير اليوم التالى فى حال سقط النظام الإيراني او لم يسقط ..
*إسقاط* *النظام* *من* *السماء*
شُنت الحرب على النظام الإيراني وهو فى أضعف حالاته منذ وصوله للسلطة عام 1979 . فقد انهكته العقوبات الامريكية والغربية القاسية والمستمرة منذ وقت طويل جدا ،وتم بتر ازرعه وتدمير حلفائه فى المنطقة الذين كان يخوض بهم معاركه بعيدا عن أرضه ومثلوا دائما مجالا حيويا له . الضربات الإسرائيلية والامريكية له قبل أشهر اضعفته جدا وصفّت عدد مقدر من قيادات صفه الأول الأمنية والعسكرية وعلمائه النوويين الذين كانوا يمثلون جزءا مهما من نواته الصلبة . والان بضربة واحدة فى اليوم الأول من بدء الحرب تم تصفية المرشد الأعلى وكبار مساعديه والقادة العسكريين . ويتم الان توجيه ضربات دقيقة ومركزة جدا تعمل على تدمير قدراته وبنيته العسكرية .
ومع إن الهدف المعلن للعملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية هو تغيير النظام لكن كثير من المراقبين وأعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي وبعض أعضاء الحزب الجمهورى يرون أن ترامب لا يمتلك خطة لذلك ،وتساءل بعضهم فى البرامج الحوارية بالفضائيات الأمريكية ماذا كان جرى تغيير اى نظام فى التاريخ الحديث بالضربات الجوية وحدها؟ وقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني ،كير ستارمر والذى تعد بلاده الحليف الدائم لواشنطن فى كل حروبها السابقة بالمنطقة ،أيضا انهم لا يؤمنون بإسقاط الأنظمة من السماء وقال ان عدم مشاركتهم فى الحرب راجع لعدم توفر غطاء قانوني لها . وقد اغضبت تصريحاته تلك ترامب وأعرب عن احباطه الشديد منه .
ويعارض مشرعون فى الكونغرس من الحزبين نشر قوات أمريكية على الأرض وتعريض حياة الجنود الأمريكيين للخطر وفقا لما نقلت وكالة رويترز الأحد ،فى وقت يرى اغلب أعضاء حركة لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (ماغا) المؤيدة لترامب أن الرئيس الأمريكي حنث بوعده الانتخابي وجر أمريكا للتورط فى حروب خارجية لا مصلحة لها فيها . وينبئ تباين الآراء هذا داخل النواة الصلبة للجمهوريين بتصدع حلف الرئيس مع التراجع فى شعبيته حسبما كشفت آخر استطلاعات الرأى قبل إطلاق الهجمات ضد إيران بساعات . ويجرى ذلك فى وقت يستعد فيه الحزب الجمهورى لخوض إنتخابات التجديد النصفي للكونغرس الذى تشير التكهنات إلى أن الجمهوريين قد يفقدون اغلبيتهم الحالية فيها .
*هل لCIA خطة؟*
من المعلومات الشحيحة التى توفرت ربما اتضحت ملامح خطة ترامب لليوم التالى بعد الحرب فى ايران ،فوفقا لتصريحاته المبهمة يوم الاحد ذكر أن القيادة الجديدة فى طهران أعلنت رغبتها فى التعاون معه. وقال أيضا لموقع “إكسيوس” الأمريكي يوم السبت وبعد الهجوم ،أن لديه عدة طرق للخروج من هذه الحرب ،إضافة لتصريحات نائبه ،جى دى فانس وتطمينه الرأى العام الأمريكي قبل شن الهجمات بأنه لن تكون هناك حرب طويلة تستمر لسنوات كما جرى فى العراق . واستنادا إلى كل ذلك فالراجح عندى ان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA التى نفذت الشهر قبل الماضى عملية اعتقلت بموجبها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، ربما اعدت خطة بالاتفاق مع أطراف معتدلة نسبيا فى النظام الإيراني الحالى وعلى خلاف مع المرشد الأعلى الراحل خامنئي ،لتولى زمام الأمور بعد إزاحته وأعوانه المتشددين ومن ثم قيادة تفاهمات مع واشنطن تقود إلى تفكيك النظام وإعداد البلد لمرحلة سياسية جديدة . الطريقة الدقيقة التى اغتيل بها المرشد الاعلى واستهدافه مع بداية الهجمات تدعم هذا الاستنتاج .
لكن رئيس هيئة الأركان المشتركة وكبير المستشارين العسكريين للرئيس الامريكي، الجنرال دان كين كان واضحا جدا فى التقييم الذى قدمه خلال المداولات رفيعة المستوى التى جرت بالبيت الابيض قبيل الهجوم على إيران بأيام قليلة والذى ذكر فيه ،أن شن حرب على إيران وتغيير نظام الحكم فيها لن يكون مهمة سهلة وقصيرة مثل عملية إعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، مؤكدا انها تنطوى على مخاطر عالية محتملة لوقوع خسائر بشرية أمريكية كبيرة ،كما ستؤثر العملية على مخزونات الأسلحة الأمريكية ، وذلك فقا ل”نيويورك تايمز” نقلا عن أشخاص مطلعين على مداولات الإدارة الداخلية .
ومع ذلك قد يفشل هذا السيناريو ويصعد لتولى زمام الأمور قادة متشددين ايضا من الصف الثانى بعد مقتل المرشد الاعلى حسبما توقع تقييم للمخابرات الامريكية يوم السبت، يصرون على المقاومة حتى النهاية وتحويل الصراع الى عملية انتقام ،وقد يجرّون بذلك واشنطن وتل ابيب إلى حرب إستنزاف طويلة ومؤلمة ،خاصة إذا ما تمكنوا من ضرب وإغراق إحدى حاملات الطائرات الامريكية العملاقة ورفع الخسائر الأمريكية لمستويات غير محتملة تتسبب فى أزمة كبرى بواشنطن ، الأمر الذى سيدخل المنطقة فى تعقيد كبير .
*الأيديولوجيا* *وكبرياء* *النظام*
ويشير تشدد المفاوضين الإيرانيين خلال مباحثاتهم الاخيرة مع الأمريكيين فى مسقط وجنيف قبيل الحرب إلى أن احتمال المقاومة هو الراجح ، فقد سعى المفاوضون لتجنب الحرب كأولوية قصوى ولكنهم لم يكونوا مستعدين لفعل ذلك بأى ثمن ، والسبب وراء ذلك انه وفى بعض الأحيان تولى الأنظمة المنغلقة آيدولوجيا أهمية أكبر لمكانتها فى التأريخ تتفوق على أهمية بقائها المباشر . وقد حملت خطابات المرشد الأعلى خامنئى النارية الاخيرة ضد واشنطن مضامين دالة على ذلك . ووفقا لمجموعة الأزمات الدولية ،بالنسبة لمتشددى النظام الإيراني يُعد الخضوع للشروط الأمريكية أمر أخطر من تلقى ضربات أمريكية فى الواقع ،لأنهم لا يرون أن واشنطن ستخفف ضغوطها عليهم بمجرد إستسلامهم ، بل إن ذلك فى تقديرهم سيشجع الأمريكيون لاستهدافهم بشكل اكثر .
وزلزلت الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك الرد الإيراني، قطاعات متعددة مثل الشحن البحري والسفر الجوي والنفط، وسط تحذيرات من ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب الأعمال التجارية في مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي.
وقال الجيش الأمريكي يوم الأحد إن ثلاثة من جنوده قُتلوا وخمسة آخرين أصيبوا بجروح خطيرة، في أول خسائر أمريكية خلال العمليات الجارية ضد إيران.
وقدم ترامب مبررات للهجوم منها الإشارة إلى تهديد البرنامج النووي الإيراني الذي حتى وقت قريب كان يقول إن الضربات الجوية الأمريكية في يونيو حزيران الماضي “محته من الوجود”.
النظام الإيراني بإستهدافه لدول الخليج فى خطوة لم تحسب جيدا ،يريد التأكيد على أن الاصطفاف مع أمريكا وإسرائيل ضده سيكون باهظ التكلفة بالنسبة لها ، كما انه باستهدافه شحنات النفط ومخزونات الطاقة وتهديده لمضيق هرمز الذى يمر عبره خمس الإنتاج العالمى للطاقة ،يعمل على إرسال رسالة بأنه يخوض معركة وجود يمكن أن تخلق أزمة عالمية .
وبالفعل فإن المحللين يرون أن المخاطر بالنسبة لبلدان الخليج ومناطق أخرى من العالم هائلة جدا فى المديين القريب والبعيد ، فالقصف الصاروخى وقصف المسيرات فى عمق البلدان الخليجية التى تراهن على امنها استقرارها كمنطقة آمنة وجاذبة للاستثمار والتجارة وحركة الأموال ،وضعها فى قلب الاضطرابات العنيفة بالشرق الأوسط وأعاد الاحتمالات السيئة بتكرار إعتداءات الحوثيين المدعومين من إيران للمنشآت المدنية والبنيات النفطية عام 2019 او هجمات نظام صدام حسين عام 1991، وربما كانت هذه المرة بصورة أسوأ من سابقتها .وفى تأكيد لهذا الاحتمال وتحسبا لاسوا سيناريو ،اصدر الرئيس الأمريكي أمس تحذيرا شديد اللهجة لطهران من مغبة شنها هجوما كبيرا وقويا فى المنطقة . وبمراجعة سريعة للتداعيات الكارثية على أسواق الطاقة وتداولات الاسهم وحركة الطيران خلال يومين منذ بدء الهجمات يتبين حجم المخاطر الكبير اذا ما تطاول امد الحرب .لكن محللين آخرين يرون فى الوقت نفسه أن النظام الإيراني بخطواته تلك عزز من فرص الاصطفاف الإقليمي والدولى ضده ، فهو لم يؤذى الأمريكيين والإسرائيليين الذيم اعتدوا عليه ،بل إتجه لإيذاء جيرانه الخليجيين الذين لم يبادروه بالعداء الأمر الذى قد يدفعهم ذلك دفعا لخوض حرب رد عدوان مثلما فعلوا إلى جانب التحالف الدولى بقيادة واشنطن لدحر الغزو العراقى للكويت عام 1991 .
وواقع الأمر يقول ان النظام الإيراني يواجه هذه الحملة الجبارة وهو فى عزلة سياسية داخلية بعد قمعه الدموى للاحتجاجات الداخلية السلمية ، وعزلة من جواره الخليجي بعد أن تسبب قصفه الانتقامى لها فى مشاعر معادية له ،وعزلة إقليمية أوسع بعد (قصقصة) ازرعه فى المنطقة ، وعزلة دولية حيث لم تحظ الهجمات ضده بالإدانة والمقاومة الدولية التى كان ينبغى لها تحدث .
*هل هناك “كرزاى” إيراني فى الافق؟*
ومع ذلك فإن الإيرانيين مثل جيرانهم العرب فخورون جدا بذاتهم ،ولا اتوقع منهم التجاوب مع النداءات الأمريكية والإسرائيلية للتحرك من أجل إطاحة النظام رغم كراهيتهم له . ولم يبرز فيهم حتى الان “كرزاى” او “جلبي” إيراني مستعد لقيادة المهمة ،فيما عدا التحركات الاخيرة لنجل الشاه رضا بهلوى المقيم فى كندا ولكن الرجل لا يحظى بتأييد يذكر داخل إيران ولا تعرف عنه الأجيال الجديدة شيئا .
وهنا تبرز المخاوف الداخلية والإقليمية من إضطرار ترامب إلى إنهاء عمليته العسكرية فى المنتصف والانسحاب تاركا البلاد والمنطقة غارقة فى الفوضى كما فعل سلفه مع العراق ،حيث سيتركز جهد واشنطن وتل أبيب فى خضم تلك الفوضى على البحث عن مخزونات اليورانيوم وخطط إنتاج السلاح النووى المزعومة خشية وقوعها فى حوزة جماعات معادية لهما .
الفوضى الإيرانية إن انطلقت من قمقمها ستكون اعنف واكثر تهديدا لأمن المنطقة المضطربة اصلا من تلك التى جرت فى العراق بعد الغزو الأمريكي له عام 2003 والمستمرة حتى اليوم . فسكان إيران يبلغون 93 مليون نسمة ،وتعج البلاد بتعدد ديني وطائفى كبير ، كما تسبب حكم الملالى الاستبدادى الطويل فى إحتقانات إجتماعية وسياسية كبيرة جدا . وسيخلق تداخل تلك الأوضاع مع النزاع الذى اندلع قبل ايام بين باكستان ونظام طالبان الافغانى ، والنزاع المكتوم بين الهند وباكستان فى مفاقمة تفجر الأوضاع واطالة امد حالة عدم الاستقرار .
*هيمنة إسرائيلية مطلقة*
وبالنسبة لكثير من دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية فإن مخاوف تغيير النظام الإيراني او بقائه ربما تساوت عند بعضهم ،فتغيير النظام يفتح الباب للهيمنة المطلقة لإسرائيل فى المنطقة وهو سيناريو لا تتمناه اكثر دول المنطقة مودة لتل أبيب خاصة فى ظل الحديث عن الحق التوراتى لإسرائيل فى التوسع بالمنطقة .
من جانب آخر فإن ترك النظام دون إسقاطه يضطر دول المنطقة وخاصة فى الخليج للتعايش مع “نمر جريح” يتربص بها الدوائر وتراوده نزعات الإنتقام خاصة فى ظل التقارير الأمريكية التى راجت عن حث الرياض الرئيس الأمريكي بعدم التراجع وتوجيه ضربة قاضية للنظام الإيراني .
ما يجرى للنظام الإيراني حاليا هو حكم التاريخ عليه . فقد جاء فى اصيل القرن القرن العشرين وفى منعطف حرج منه ، وظل وفقا لرؤاه الايدولوجية يسير فى الجانب المغاير لإتجاه التأريخ فى حركته الصاعدة نحو مراقى الكرامة والعزة للأفراد والمجتمعات وصيانة حقوقهم .
وبالنسبة لترامب فإن هذه الحرب ستفضحه وتكشف اكاذيبه وستجرده من مزاعمه عن كونه صانع سلام او الرجل الذى سيعيد لأمريكا مجدها الآفل ، وستضعه فى موقع متأخر جدا فى قائمة القادة الذين حطموا النظام فى العالم وقوّضوا أسس النظام الأمريكي نفسه وجعلوا بلدهم العظيمة مطية لاجندة زعيم إسرائيلي مهووس بالقوة واراقة الدماء .
وفى ظل حالة عدم اليقين العالمى وتآكل النظام القائم على القواعد ،والاضعاف الكبير لالياته ، ادخلت الحرب المندلعة ايران والمنطقة فى نفق مظلم ،واذا ما استمرت حرب ترامب ونتنياهو لفترة طويلة ،فإن ذلك يجعل المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات .





