السودان في العام الثالث من الحرب: الواقع الكامل
الوضع الإنساني والاقتصادي: كارثة بلا سابقة

عمر سيد احمد
منو المسؤول؟
يتداول الناس في الأسافير منشوراً لافتاً أطلقه رجل أعمال سوداني على صفحته الرسمية، تحذيراً صريحاً لكل من يفكر في العودة إلى الخرطوم، لخّصه في جملة واحدة موجعة: “الجاي راجع البلد دي أخير ما يجي، والجاي أكعب.” خالد، الذي كان من أكثر الشباب حماساً للعودة بعد نزوحه بسبب الحرب، فوجئ بواقع مختلف تماماً عما تروّج له دعوات العودة الرسمية — واقع تهيمن عليه الجبايات الباهظة والابتزاز المؤسسي الذي وصفه بـ”الهمبتة”، حتى إن إعادة فتح دكان صغير باتت مغامرة لا يضمن أحد عواقبها.
ما رصده ليس استثناءً بل نمط ممنهج: في ود مدني وسنار أضرب التجار احتجاجاً على مضاعفة الرسوم بنسبة 100%، وفي القضارف تراجعت السلطات فقط بعد احتجاجات، وفي النيل الأبيض فُرضت رسوم على التكتك والورقشة بغرامات تصل لنصف مليون جنيه وحجز للمركبات. يقول الصحفي محمد بشير إن هذه السياسات “تكرّه الناس في العودة” — وهو وصف يختصر أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسلطة، في بلد لم تنتهِ حربه بعد.
هذا التحذير ليس مجرد شكوى تاجر. إنه شهادة ميدانية تطرح السؤال الأكبر: من المسؤول؟ وهو ما يحاول هذا التقرير الإجابة عنه.
ما يصفه بـ”الأكعب” هو الوجه المحلي لأضخم أزمة إنسانية في العالم حالياً. الأرقام مروّعة: أكثر من 33.7 مليون شخص — ما يقارب ثلثي السكان — في حاجة للدعم الإنساني. وقد دمّرت الحرب البنية التحتية العامة، وأكثر من 70% من المستشفيات خرجت عن الخدمة، مما أدى إلى تفشي وباء الكوليرا بأكثر من 120,000 حالة مؤكدة وأكثر من 3,000 وفاة. على الصعيد الاقتصادي، تشير نماذج البنك الدولي إلى أن استمرار الحرب قد يكلف السودان ما بين 195 و236 مليار دولار، مع احتمال ألا يعود الاقتصاد لمستوياته ما قبل الحرب حتى عام 2047 — أو حتى عام 2100 في أسوأ السيناريوهات.
استعادت قوات الجيش الخرطوم في مارس 2025، وعاد أكثر من مليون شخص منذ مطلع العام. لكن العائدين يجدون منازلهم وأحياءهم مدمّرة أو متضررة، وتفتقر إلى أدنى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة. وما يكشفه من جبايات وابتزاز مؤسسي يؤكده الواقع الموثّق: ضرب بعض الولايات الرسوم بنسبة 100%، وإضرابات تجار في ود مدني وسنار، وفرض رسوم على التكتك والورقشة بغرامات تصل لنصف مليون جنيه. لكن الجانب الأشد خطورة هو أن أجهزة الأمن التي تبدّلت مسمياتها إلى “الخلية الأمنية” و”العمل الخاص” لا تزال تمارس ذات القمع بحق كل من قال لا للحرب، أو اختار أن يبقى صامداً في أرضه يصنع الحياة وسط الركام ويخدم الناس في زمن الشدة.
في واحدة من أفدح الاتهامات الموجّهة لطرفَي الحرب، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في مايو 2025 تحديداً رسمياً بأن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وهو ما أفضى إلى فرض عقوبات مباشرة طالت قيادات الجيش بما فيهم البرهان بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. الأكثر إثارة للصدمة أن التقارير تشير إلى استخدام هذا السلاح في الخرطوم وفي 13 موقعاً آخر على الأقل داخل البلاد — أي أن العاصمة التي يُدعى الناس للعودة إليها شهدت بنفسها توظيف أسلحة محرّمة دولياً ضد البشر. هذا التحديد الأمريكي لا يُلقي بالمسؤولية فقط على الجيش بل يكشف بجلاء طبيعة التنظيم الذي يقود هذه الحرب من وراء الستار: تنظيم لا يتوقف عند حدود في أدوات القتل، ولا يفرّق في ضحاياه بين مقاتل ومدني.
هذا النمط هو السمة الكلاسيكية للأنظمة الفاشية حين تخسر السلطة الرسمية لكنها تحتفظ بأدواتها القمعية. الأجهزة التي بنى البشير خلال ثلاثة عقود — الأمن الشعبي، الأمن الطلابي، الكتائب الجهادية — لم تُفكَّك يوماً، بل أعادت تموضعها تحت مسميات جديدة. تشير التقديرات إلى أن ما يصل لـ75% من تشكيلة الجيش السوداني الحالية من عناصر موالية لتنظيم الإخوان. لم يكن هذا غزواً خارجياً بل عودة من الداخل عبر الباب الذي فتحته الحرب.
الحرب امتداد مباشر للانتفاضة الشعبية 2018-2019 التي أطاحت بنظام البشير الإسلامي العسكري الذي حكم ثلاثين عاماً. ما جرى بعدها ليس تحوّلاً نحو الديمقراطية، بل انقلاب على الانتقال: أعاد البرهان هيكلة القوات المسلحة، وأدمج الموالين الإسلاميين، وأعاد تفعيل شبكات نظام البشير. الأدلة الميدانية صريحة: حملات التجنيد استُغلّت من قِبَل الإسلاميين للعمل بحرية وكسب نفوذ لدى الجيش، والخطاب التحريضي فيها ذو نبرة إسلاموية واضحة. وكتيبة “البراء بن مالك” — أبرز الميليشيات الإسلاموية المقاتلة مع الجيش — صنّفتها وزارة الخزانة الأمريكية في 2025 لعرقلتها المسارات الديمقراطية ودعمها مساعي البرهان الحربية.
هذا هو جوهر الجريمة الأخلاقية الكبرى في هذه الحرب. المواطن الذي رفض الانضمام للتجنيد يُلاحَق، والذي بقي يخدم الناس وسط الركام يُقمع، والتاجر الذي أعاد فتح دكانه يُنهب بالجبايات، والشباب الذي ثار في 2019 يُصطاد اليوم. في المقابل، قادة الجيش وقيادات التنظيم وأفراده — بما فيهم البرهان — يعيشون حياتهم المترفة في أمان تركيا ومدن الخليج، في الفلل والشقق التي امتلكوها من ثروات الشعب السوداني، بينما يُرسَل أبناء الفقراء للموت في ما وصفه محللون عسكريون بأنه “استغلال مُقنَّع للفقراء” في حملات التجنيد. وقطر وتركيا تحديداً استضافتا قيادات النظام الإسلاموي التي كانت حاسمة في توفير الشبكات المالية والسلاح لمجهود الجيش الحربي.
اتحاد قوى السودان الديمقراطية (صمود) بقيادة عبدالله حمدوك يتهم الإسلاميين صراحةً بأنهم أشعلوا الحرب باستغلال طموحات قيادة الجيش والدعم السريع، وبممارسة الجرائم القائمة على الهوية وإلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين وحرق القرى وتوظيف التجويع والاغتصاب أسلحةً للحرب. والتحالف الرباعي — أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات — أصدر في سبتمبر 2025 خارطة طريق تؤكد صراحةً أن مستقبل السودان لا يمكن أن يمليه مجموعات متطرفة مرتبطة بالإخوان المسلمين، في إشارة مباشرة لحلفاء الجيش. لكن البرهان رفض هذه الخارطة رفضاً قاطعاً، لأن استمرار الحرب هو ضمانة بقاء التنظيم في السلطة.
النصف الغربي — دارفور وكردفان — تحت سيطرة الدعم السريع. والنصف الشرقي والأوسط بما فيه الخرطوم تحت الجيش وكتائب الإسلاميين وأجهزتهم الأمنية المتجددة المسميات. لا مكان آمن يملك فيه المواطن العادي سلطة على مصيره. مع سيطرة الدعم السريع على كل دارفور، يسير السودان نحو تقسيم فعلي على خطوط شرق-غرب. وخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 البالغة 4.16 مليار دولار لا تزال ممولة بنسبة 35% فقط، وقد أوقفت دول مانحة كبرى تمويلها ما أجبر برامج منقذة للحياة على التقليص أو التوقف كلياً.
ما يصفه رجل الأعمال ليس مجرد شكوى تاجر ضاق بالجبايات. إنه شهادة على منظومة عقاب منهجي يمارسه تنظيم يعرف تاريخياً أن بقاءه مرتبط بإبقاء الفوضى، وإعاقة أي استعادة لحياة طبيعية قد تُعيد الناس للمطالبة بالديمقراطية التي ثاروا من أجلها. التنظيم الإسلامي الذي بنى دولة الفساد والقهر لثلاثين عاماً يدرك أن نجاح التحول الديمقراطي السوداني كان سيشكّل سابقة خطيرة تهدد نماذجه في المنطقة كلها. لذلك فإن العقاب الجماعي — بالحرب والتشريد والقمع والجبايات وملاحقة كل صوت رافض — هو رسالة واضحة: ثمن الثورة باهظ جداً.
في ضوء كل ذلك، فإن المطلب الأول والأكثر إلحاحاً اليوم هو إجبار قادة الجيش ومن يقف خلفهم من قيادات التنظيم الإسلاموي على الالتزام بمقررات التحالف الرباعي والقبول بالهدنة فوراً دون شروط أو مماطلة. فأي حديث عن إعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي أو دعوات العودة قبل وقف إطلاق النار هو ضرب من الوهم في أحسن أحواله، ومن الخداع المتعمد في أسوأها. دعوات العودة في ظل استمرار الحرب وسطوة الأجهزة الأمنية الإسلاموية ليست دعوات للبناء — بل هي دعوات خبيثة تُعيد الناس وقوداً لمشروع سلطة لا وطناً حراً. والشعب الذي صنع ثورة 2019 يستحق أكثر من أن يُستخدم مرة أخرى في هذه اللعبة القذرة.





