الوقود في السودان بين وفرة الأرقام وأزمة الواقع

أفق جديد
تشهد العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من المدن الأخرى أزمة وقود متصاعدة، تجلت في طوابير طويلة من السيارات أمام محطات الخدمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطرابات محتملة في إمدادات النفط العالمية على خلفية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واحتمالات إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
مضيق استراتيجي وتأثير عالمي
يُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ يمر عبره أكثر من 20% من صادرات النفط في العالم، ويربط كبار المنتجين في منطقة الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب. لذلك فإن أي تصعيد عسكري أو توتر أمني في هذه المنطقة ينعكس سريعًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما يثير قلق الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها السودان.
مشاهد الازدحام في محطات الوقود
ورصدت مصادر ميدانية تدافع أصحاب المركبات داخل محطات تعبئة الوقود في الخرطوم، حيث أصبح مشهد الطوابير الطويلة أحد أبرز مظاهر الأزمة الحالية. ويعزو مواطنون تحدثوا لـ”أفق جديد”، هذا الوضع إلى شح الكميات المتوفرة من البنزين نتيجة تباطؤ الإمدادات المستوردة، في ظل اضطرابات الأسواق العالمية وتأثيرات الحرب في المنطقة.
تطمينات حكومية
في المقابل، أكدت وزارة الطاقة توفر الإمدادات البترولية بالكميات الكافية، مشددة على عدم وجود ما يبرر التدافع أمام محطات الوقود. وأوضحت في بيان أن عمليات الإمداد تسير وفق الخطط التشغيلية المعتمدة، وأن بعض التفسيرات المتداولة لتصريحات وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم لم تعكس مضمونها بدقة.
ووفق بيانات الوزارة، يبلغ مخزون البنزين المتوفر حاليًا نحو 191,883 طنًا متريًا، في حين يقدر معدل الاستهلاك اليومي بحوالي 2,175 طنًا متريًا، ما يعني أن الكميات الحالية تكفي لنحو 88 يومًا دون احتساب الشحنات المتعاقد عليها التي ستصل تباعًا خلال الفترة المقبلة. كما أشارت إلى وجود ناقلتين محملتين بالبنزين في عرض البحر بانتظار إذن الدخول للتفريغ في الميناء.
أما بالنسبة للجازولين، فقد أوضحت الوزارة أن المخزون في المستودعات يبلغ 88,909 أطنان مترية، إضافة إلى باخرتين قيد التفريغ بحمولة إجمالية تبلغ 86,273 طنًا متريًا، ليصل إجمالي الكميات المتاحة إلى 175,082 طنًا متريًا، وهي كميات تكفي – بحسب الوزارة – لنحو 54 يومًا في ظل معدل استهلاك يومي يبلغ 3,235 طنًا متريًا. كما أشارت إلى وجود ثلاث بواخر إضافية متوقع وصولها خلال الأسابيع المقبلة.
شكاوى المواطنين
على الرغم من هذه التطمينات، يشكو مواطنون من بطء الإمدادات أو انقطاعها في بعض المحطات في مدن الخرطوم وبحري وأم درمان خلال الأيام الماضية.
ويقول المواطن عباس الهادي إن عشرات السائقين يصطفون يوميًا في طوابير طويلة للحصول على البنزين لتسيير أعمالهم اليومية، موضحًا في حديثه لـ”أفق جديد”، أن كثيرًا من السيارات تنتظر لساعات طويلة قبل أن تتمكن من التزود بالوقود، الأمر الذي انعكس سلبًا على حركة النقل وأعمال المواطنين داخل المدينة.
كما اضطر أنس يوسف (54 عامًا)، وهو سائق سيارة أجرة، إلى الوقوف لساعات طويلة أمام إحدى محطات الوقود على أمل الحصول على كمية من البنزين قبل نفاد المخزون المحدود في خزانات المحطة. ويشير في حديثه لـ”أفق جديد”، إلى أن عمله يعتمد بالكامل على تشغيل سيارته، وأن انقطاع الوقود لفترات طويلة يهدد مصدر دخله ويؤثر مباشرة على قدرته على إعالة أسرته.
تداعيات اقتصادية
ويرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أن الحرب الدائرة في المنطقة تمثل صراعًا في قلب أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم. فدول الخليج ومحيطها تمتلك أكبر احتياطيات النفط والغاز، كما تمر عبر مياهها أهم خطوط نقل الطاقة الدولية.
وأوضح فتحي في حديثه لـ”أفق جديد”، أن أي توتر عسكري في هذه المنطقة يترجم سريعًا إلى ارتفاع في أسعار النفط وإلى حالة من القلق في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على الدول المستوردة للطاقة مثل السودان. وأضاف أن ارتفاع الأسعار العالمية أو اضطراب سلاسل الإمداد يزيد من فاتورة الاستيراد ويضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن أسواق النفط شديدة الحساسية للأحداث الجيوسياسية، خاصة في مناطق مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يوميًا، ما يجعله نقطة مفصلية قادرة على إحداث قفزات في الأسعار وتعطيل سلاسل الإمداد.
سياق اقتصادي معقد
وتأتي أزمة الوقود في وقت يواجه فيه السودان ضغوطًا اقتصادية كبيرة نتيجة الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي أدت إلى أضرار واسعة في البنية التحتية، بما في ذلك مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، التي كانت قبل اندلاع الحرب تغطي نحو 70% من الاستهلاك المحلي من البنزين وغاز الطهي.
ومع استمرار الطوابير أمام محطات الوقود، تتزايد مخاوف المواطنين من تفاقم الأزمة خلال الأيام المقبلة ما لم تُؤمَّن إمدادات مستقرة من الوقود أو تُتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة الاختناقات في التوزيع.





