مذكرة  البرهان من تحالف قوي الثورة الجديد ؟ هل بداية المعركة السياسية قبل انتهاء الحرب في السودان؟؟

حاتم أيوب أبو الحسن

   حاتم ايوب ابوالحسن 

في الوقت الذي لا تزال فيه أصوات المدافع تحدد إيقاع الحياة في السودان، بدأت ملامح معركة سياسية صامتة تتشكل في الخلفية. معركة لا تدور في ساحات القتال، بل في مكاتب السياسة وممرات التحالفات المدنية. تسليم مذكرة سياسية إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من قبل تحالف مدني جديد ليس حدثاً عادياً، بل إشارة إلى أن بعض القوى بدأت تستعد لليوم التالي للحرب.

هذه الخطوة تأتي في لحظة يعيش فيها السودان فراغاً سياسياً غير مسبوق. الدولة شبه غائبة، الأحزاب ضعيفة  أو منقسمة، او ملاحقة والمجتمع الدولي يتحدث أكثر عن الأزمة الإنسانية من حديثه عن الحل السياسي. وفي هذا الفراغ، تحاول قوى مدنية أن تعود إلى المسرح عبر بوابة الجيش، بعد أن فقدت كثيراً من تأثيرها منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.

التحالف الذي يقف خلف المذكرة يضم شخصيات وقوى تعتبر نفسها امتداداً لقوى الثورة، لكنه في الواقع يعكس أيضاً الانقسام العميق داخل المعسكر المدني. فبعض رموزه خرجوا من أحزاب مركزية في الحراك السياسي، مثل تيارات منشقة عن حزب المؤتمر السوداني مع احد جماعات  اليسار ليشكلوا مساراً سياسياً مختلفاً عما تبنته قوى مدنية أخرى في الساحة.

هذا التيار يطرح فكرة تبدو في ظاهرها براغماتية إذا كان الجيش هو القوة المنظمة الوحيدة المتبقية في الدولة، وإذا كانت الحرب قد كسرت التوازنات القديمة، فلماذا لا يبدأ مسار سياسي جديد من هناك؟ من وجهة نظرهم، فإن ترك الساحة السياسية فارغة سيمنح القوى الأكثر تنظيماً ــ سواء كانت عسكرية أو أيديولوجية 

فرصة لاحتكار المستقبل.

لكن خصوم هذا الاتجاه يرون في الخطوة محاولة لإعادة إنتاج الشراكة القديمة مع العسكريين، وهي الشراكة التي انهارت بعد سقوط نظام عمر حسن أحمد البشير، حين تحولت العلاقة بين المدنيين والعسكريين إلى صراع مفتوح على السلطة. بالنسبة لهؤلاء، فإن أي تقارب مع الجيش قبل إعادة بناء ميزان القوة المدني لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة نفسها.

في المقابل، تبدو المؤسسة العسكرية نفسها في وضع معقد. فقيادة الجيش، التي تخوض حرباً شرسة مع قوات الدعم السريع، تدرك أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية دون غطاء سياسي. كما أن الضغوط الإقليمية والدولية تتزايد باتجاه صيغة حكم مدني أو انتقال سياسي يعيد للسودان موقعه في المجتمع الدولي.

لذلك قد تنظر القيادة العسكرية إلى مثل هذه المبادرات باعتبارها فرصة لتشكيل حاضنة مدنية جديدة تختلف عن التحالفات التي قادت المشهد بعد الثورة السودانية 2019. حاضنة أقل صداماً مع الجيش وأكثر استعداداً للتعامل مع الواقع الذي فرضته الحرب.

غير أن السؤال الأكبر ليس في مضمون المذكرة نفسها، بل في ما تعكسه من تحول في المزاج السياسي لبعض القوى المدنية. فبعد سنوات من الشعارات الحادة حول الحكم المدني الكامل، بدأت بعض الأصوات تتحدث بلغة مختلفة: لغة التدرج، والتسويات، وإدارة الممكن بدلاً من انتظار المثالي.

هذه اللغة قد تكون تعبيراً عن نضج سياسي فرضته قسوة الواقع، لكنها قد تكون أيضاً علامة على تراجع سقف الطموحات التي حملتها الثورة في أيامها الأولى. فالسودانيون الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بدولة مدنية كاملة يجدون أنفسهم اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً: دولة منهكة بالحرب، ومجتمع سياسي منقسم، ومؤسسة عسكرية ما زالت تمسك بالمفاتيح الأساسية للسلطة.

ما يحدث الآن قد لا يكون بداية انتقال سياسي حقيقي، لكنه بالتأكيد بداية صراع جديد على شكل الدولة بعد الحرب. صراع لن يكون بين الجيش وخصومه فقط، بل أيضاً بين قوى مدنية مختلفة، لكل منها رؤيتها الخاصة لما يجب أن يكون عليه السودان في المستقبل.

ولهذا يمكن قراءة مذكرة المدنيين للبرهان باعتبارها إعلاناً غير رسمي عن بدء المعركة قبل  الحرب. معركة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد، وتحدد من سيجلس على طاولة السلطة عندما تسكت البنادق أخيراً.

ففي السودان اليوم، لم تعد الحرب وحدها هي التي تحدد المستقبل… بل أيضاً التحالفات التي تتشكل بصمت في ظلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى