فاروق سليمان..تنويريون ولكن؟

السر السيد
قراءات ذات بهجة

  بقلم : السر السيد

اشارة

 لا تكتمل حلقات التنوير وصناعة المختلِف بما ينفع الناس في أي مجتمع من المجتمعات، من غير أن يكون للفنون حضور، وذلك لأنها حمّالة للمعرفة، ومحرّضة على إعادة اكتشاف العالم فهي الأقدر مقارنة بالمعارف الانسانية الأخرى على ربط الانسان بمحيطه الاجتماعي، والوجودي، جمالياً، واجتماعياً،

وثقافياً، وسياسياً. ان اسماء مثل سوفكليس، وبيتهوفن، وطه حسين، وفرجينا وولف، وغيرهم وغيرها، انما تؤكد على الموقع المتميز للفنون في ذاكرة التنوير في العالم، اما في السودان وبرغم الأدوار المتعاظمة التي لعبتها الفنون في معركة التنوير،  لا يزال معظمنا عند الحديث عن مسيرة التنوير ورواده، لا يجد حرجاً في عدم ذكر اسماء الفنانين وعدَّهم من رواد التنوير، فهل صادفك مثلا من اشار الي الملحن والمغني العبقري كرومة كرائدا من رواد التنوير؟.. لا اظن !!.

فاروق سليمان

الاداري السابق، والمخرج الكبير في التلفزيون القومي فاروق سليمان، اسم باستطاعته أن يعيد ترسيم (خريطة التنوير ورواده)، فلا تصبح وقفا لفئات محددة ولمجالات محددة، وانما موطنا لكل مساهمة طليعية تتسم بالاصالة والجدة والاختلاف وبما ينفع الناس. تقول سيرته: انه احد أهم الأسماء المؤسسة

لمشروع الدراما التلفزيونية في السودان منذ انطلاقتها الأولى في مطلع ستينيات القرن الماضي، لذلك لم يكن غريباً ان يرتبط اسمه كمخرج بأول مسلسل تلفزيوني  سوداني في تاريخ الدراما السودانية هو مسلسل (المرابي)، من تأليف الاستاذ حسن عبدالمجيد. وُلد في مدينة أم درمان -حي المسالمة في العام 1937، و تلقى تعليمه بالمسالمة الأولية ثم مدرسة الأقباط و الثانوي بمدرسة فاروق بالخرطوم ثم التحق بجامعة القاهرة- فرع الخرطوم- كلية الحقوق، كما انه كان قد تلقى دراسات في الإخراج التلفزيوني  في مصر وبعدها دورة في الإخراج الدرامي في ألمانيا الاتحادية.

إن المخرج فاروق سليمان استحق ان يسكن ذاكرة التنوير وان يكون واحداً من أهم رواده لأنه اقتحم مجالاً ملغوماً هو مجال الدراما، وانه استمر في مشروعه وواصل برغم الصعوبات والعقبات وان الدراما التلفزيونية كانت رهانه الوحيد واداته في التنوير والتعليم، فقد حكي فاروق عبر الصورة آلاف الحكايات عبر المسلسل والتمثيلية.. تلك الحكايات التي تفرح الناس وتحزنهم.. تعلمهم وتنورهم وتجعلهم يتساءلون.. انه صاحب رسالة معقدة تتبدي فيها تشاركية القصص، وتشاركية النساء والرجال، وتشابكية المجالات من سياسة، وثقافة، واجتماع، ويتبدي فيها الوطن عبر امكنته وسحناته وازيائه واطعمته، فالدراما هي فن الحكي بامتياز وفي الحكي تكمن العبرة وتتخلق المقاومة.

إن فاروق سليمان طليعي من نوع خاص وبالتالي جدير بالريادة في جبهة التنوير، فقد  ارتبط اسمه بأول مسلسل تجاوزت حلقاته السبع هو مسلسل “المال والحب” للاستاذ عمر الحميدى وبأول مسلسل تجاوزت حلقاته العشرين هو مسلسل “اللواء الأبيض” للاستاذ محجوب برير و السينارست الاستاذ أمين محمد احمد، وهو بمثابة القلب في جسد الدراما التلفزيونية فمن حيث الكم خاصة في التمثيليات والمسرحيات المنقولة هو صاحب النصيب الأوْفر، وهو الخبير بالمزاج العام في تعاطي السودانيين مع الدراما السودانية التي عاشت تحديا مع الدراما العربية خاصة المصرية منذ الثمانينيات والي الان فقد استطاع بخبرته تلك أن يجعل السودانيين يتحلقون حول المسلسل السوداني، كما في مسلسلاته، “سكة الخطر”، و”الشاهد والضحية”، و”الدهباية:، ومسلسلات غيره ك”التصفية” للمخرج والمؤلف الفقيد الفاتح البدوي، و”اقمار الضواحي” للمؤلف عبدالناصر الطائف والمخرج قاسم ابوزيد، لذلك فهو الرائد وبلا منازع في صناعة جمهور الدراما التلفزيونية، بل وأحد أهم واضعي قواعد المشهد الدرامي التلفزيوني السوداني فمما لاشك فيه انه قد اثر كثيرا فيمن جاء بعده من المخرجين… عندما نكتب عنه فأننا نكتب عن معلم، فسيح القلب، عظيم التواضع.. نكتب عن حساسية مبهرة في اختيار النصوص، وحساسية مبهرة في اختيار الممثلين، فمن منا لم ينفعل ويتفاعل مع تمثيلية (في انتظار الإعدام) للمؤلف عبدالرازق جلال، او تمثيلية (حصاد الزمن) للمؤلف محمدشريف علي،  أو (مسلسل المال والحب).

خاتمة

اكاد أجزم ان فاروق سليمان وهو يحفر في مشروعه الدرامي كان علي دراية بأهمية تواصل الاجيال وقيمتها المضافة في جعل العمل الفني اكثر قوة، ومقدرة علي الخلود، فقد جمع في مسيرته علي سبيل المثال بين عادل محمد خير وعبد الرازق جلال في مجال التأليف وبين فتحية محمد احمد وهالة أغا، وبين عوض صديق والرشيد احمد عيسى في مجال التمثيل، كما لا  يجب ان ننسي رفده للدراما التلفزيونية بالوجوه الجديدة ومساهمته في صناعة  عدد من النجوم.

انه فاروق سليمان المخرج المثابر الذي شق طريقا وعرا لصنع صورنا و صورتنا، ولسرد حكاياتنا الظاهرة منها والمستترة، ويا للعجب فقد كانت آخر حكاياته، هي حكاية الدهباية بنت رهيد البردي مع خالد ابن امدرمان وتبديات الاختلاف القائم علي الترتيبات العرقية بخصوص زواج خالد والدهباية، لتضعنا الحكاية المسيجة بالعنف والدم، امام صورة الدارفوري كما يراها الامدرماني، وصورة  الامدرماني كما يراها الدارفوري وذلك من خلال مسلسل الدهباية للمؤلف الدكتور علي البدوي المبارك والمعالجة التلفزيونية للكاتب الكبير عبدالرازق جلال، وهو آخر مسلسل اخرجه فاروق.. فتأمل!!.

مضي فاروق سليمان لرحاب رب غفور في يوم 15 مايو 2009.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى