نسمع القصص والتجارب المعاشة.. من الأصوات الحقيقية إلى التغيير الحقيقي في خدمات الصحة النفسية في السودان ودول اللجوء

مآب صلاح لبيب
(اختصاصي نفسي)
أكتوبر 2026،
في اليوم العالمي للصحة النفسية 2026 «التجارب المعاشة مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي»
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الصحة النفسية بالنسبة لي موضوعاً يُناقش فقط في جلسات العلاج النفسي، أو برامج التوعية المجتمعية، أو الكتب والمراجع والأبحاث العلمية. من خلال عملي كاختصاصي نفسي، في مجال الحماية والعيادات النفسية الخاصة، إلى جانب عملي منسقًا لفريق الدعم النفسي الاجتماعي في غرفة طوارئ الخرطوم بحري، ثم توسع خدمات الفريق لتشمل مناطق مختلفة من السودان منذ بداية الحرب وحتى اليوم، أصبحت أرى عن قرب كيف تعيد الحرب تشكيل حياة الإنسان؛ ليس فقط بما تنتزعه منه، وإنما أيضاً بما تفرض عليه تحمّله، وبما تستدعيه من محاولات مستمرة للتكيف والاستمرار رغم الألم.
في كل تجربة قصة، وخلف كل قصة صوت، وخلف كل صوت إنسان له احتياجاته ومخاوفه وقراراته وتصوراته عن حياته ومستقبله.
لهذا، عندما قرأت إن شعار اليوم العالمي للصحة النفسية لهذا العام 2026 , هو «التجارب المعاشة مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي»، توقفت عند فكرة أساسية، الأشخاص الذين عاشوا تجارب مرتبطة بالصحة النفسية لا ينبغي أن يكونوا مجرد متلقين للخدمات، بل شركاء في تصميمها وتنفيذها وتقييمها، وفي القرارات المتعلقة بالصحة النفسية، انطلاقاً من تجاربهم وتحدياتهم واحتياجاتهم الفعلية.
عندما يصبح الإنسان أكثر من مجرد حالة
في الممارسة السريرية، قد نبدأ بالتقييم، ورصد الأعراض، والتشخيص، ووضع خطة للعلاج. وكل ذلك مهم في العملية العلاجية، لكنه لا يختصر الإنسان. وراء كل تشخيص قصة حياة كاملة، تشكلت وتتأثر بعمق بالنزوح واللجوء والفقد والعنف والاعتقال والتعذيب والانتهاكات الجنسية، فضلًا عن الوصمة الاجتماعية التي قد تزيد من صعوبة طلب المساعدة والوصول إلى الخدمات. ومن خلال عملي في مجال الحماية والدعم النفسي الاجتماعي، تعلمت أن التجربة المعاشة ليست مجرد قصة شخصية تُروى، بل مصدر معرفة يساعدنا على فهم الواقع الإنساني بصورة قد لا تكشفها التقارير والأرقام وحدها.
في مناطق النزاع… للصحة النفسية قصص أخرى
لا تبدأ الآثار النفسية للحرب فقط عندما تظهر أعراض اضطراب نفسي محدد. فقد يبدأ الأثر منذ الخوف المستمر، وفقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، والشعور بالتشرد واللاوطن، وفقدان البيت والمكان والروتين والإحساس بالمستقبل. وفي بعض التجارب التي رأيتها، كان فقدان كبار السن لبيوتهم وذكرياتهم وما بنوه طوال سنوات الحرب مصدراً لحزن عميق، وشعوراً قاسيًا بفقدان الحياة التي عرفوها.
وقد تظهر آثار الحرب في اضطرابات النوم والشهية، وصعوبة التركيز، ومشكلات الذاكرة، والقلق، والحزن، والغضب، والشعور بالعجز وقلة الحيلة. كما قد تظهر المعاناة النفسية أحياناً في صورة أعراض جسدية، مثل الصداع والإرهاق والآلام والشعور المستمر بعدم الارتياح.
ومن المهم ألا نضع كل استجابة للحرب تحت مسمى «اضطراب نفسي». فالخوف والحزن والقلق بعد الأحداث الصادمة قد تكون استجابات إنسانية طبيعية ومفهومة. لكن عندما تستمر الأعراض أو تزداد شدتها، وتؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته، يصبح التقييم وطلب المساعدة المتخصصة أكثر أهمية.
الحرب لا تدمر المكان فقط
خلال سنوات الحرب، أصبح واضحاً بالنسبة لي أن فقدان المنزل والممتلكات لا يعني فقدان جدران وأشياء مادية فحسب، وأن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، فقد يفقد الإنسان عمله ودراسته ومصدر رزقه وروتينه اليومي وخططه للمستقبل، وقد تتأثر أسرته وعلاقاته وشبكات الدعم المحيطة به. وفي الوقت نفسه، يصبح الوصول إلى العلاج والخدمات الأساسية أكثر صعوبة. لذلك، لا يمكن فصل الحديث عن الصحة النفسية في مناطق النزاع عن الحماية والأمان والسكن والغذاء والوصول إلى الخدمات. وأحياناً يكون أول تدخل نفسي حقيقي هو أن يشعر الإنسان بأن احتياجاته الأساسية مسموعة، وأن ما يمر به يؤخذ على محمل الجد.
هل ينتهي الألم عند الحدود؟
الوصول إلى بلد أكثر أماناً لا يعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب. في تجارب اللاجئين السودانيين، هناك شهادات عن الخوف والعنف والاستغلال ومشاهد الموت التي عاشها بعض الأشخاص أثناء النزوح واللجوء، إضافة إلى تحديات ما بعد الوصول، مثل الأمن والغذاء والرعاية الصحية والوثائق والظروف المعيشية.
تحكي بعض الأمهات عن تغيرات نفسية وسلوكية لدى أطفالهن، مثل الخوف الشديد والتبول اللاإرادي والعدوانية واضطرابات السلوك. ويتحدث آخرون عن صعوبات يواجهها كبار السن، بما في ذلك مشكلات الذاكرة، بينما يعاني بعض البالغين من القلق والإرهاق النفسي وفقدان الأمل. هذه التجارب مهمة لأنها تجعلنا نرى الإنسان السوداني خلف كلمة «لاجئ» أو «نازح». فالنازح ليس مجرد رقم في تقرير أو مستفيد من مشروع، وإنما إنسان يحمل تجربة واحتياجات قد تستمر حتى بعد مغادرة منطقة النزاع. ومن هنا تأتي أهمية التخطيط لخدمات الصحة النفسية والتأهيل النفسي في مرحلة ما بعد الحرب، باعتبارها جزءًا أساسياً من إعادة بناء المجتمعات خلال مراحل الأمن والسلام والتعافي.
هل نصمم الخدمات للناس أم معهم؟
يصبح السؤال الذي يطرحه شعار هذا العام أكثر أهمية: هل صممنا خدمات الصحة النفسية بناءً على ما نعتقد أن الناس يحتاجون إليه، أم بناءً على ما أخبرونا هم أنهم يحتاجونه؟.. الاستماع الحقيقي يبدأ عندما يصبح صوت الشخص جزءًا من عملية اتخاذ القرار: ما الخدمات التي يحتاجها؟، ما الذي يمنعه من طلب المساعدة؟، هل الخدمة متاحة فعلاً؟، هل مكانها وتوقيتها وطريقة تقديمها مناسبة؟، وماذا يحتاج إلى أن يتغير؟..
أحد أهم الدروس التي تعلمتها من العمل الميداني هو أن الاحتياج النفسي لا يأتي دائماً في صورة: «أريد علاجاً نفسياً». قد يقول الشخص إنه يحتاج إلى مكان آمن، أو إلى مساعدة للوصول إلى أسرته، أو إلى عمل، أو إلى حماية من العنف، أو إلى شخص يستمع إليه دون إصدار أحكام، أو إلى معلومات واضحة عن الخدمات المتاحة. وهذه الاحتياجات ليست منفصلة عن الصحة النفسية، بل قد تكون جزءًا أساسيًا من الاستجابة لها. لذلك، فإن الاستماع إلى التجارب المعاشة يساعدنا على الانتقال من تصميم الخدمات للناس إلى تصميمها مع الناس؛ من افتراض الاحتياج إلى فهمه، ومن تقديم الخدمة كما نراها نحن إلى تطويرها بما يستجيب لما يراه الناس ويعيشونه فعلًا.
الإنسان ليس مجرد ضحية لتجربته
بعد سنوات من العمل في الصحة النفسية والحماية والدعم النفسي الاجتماعي خلال الحرب، أعتقد أن أحد أهم الدروس هو أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص يخبره بما يجب أن يشعر به أو يفعله.أحياناً يحتاج فقط إلى شخص يسمعه، ويحترم تجربته، ويساعده على استعادة بعض السيطرة على حياته، ويأخذ ما يقوله على محمل الجد.
علمتنا الحرب أن الألم النفسي قد يكون خلف جدار مهدّم، أو في خيمة لا يشعر صاحبها بالأمان، أو في طفل تغير سلوكه بعد مشهد شاهده، أو في أم لا تعرف أين يوجد أحد أبنائها، أو في شخص عاد من تجربة اعتقال ويحاول أن يبدأ حياته من جديد. لكنها علمتنا أيضًا أن الناس ليسوا مجرد ضحايا لتجاربهم. لديهم معرفة، وقدرة، وقرارات، وطرق مختلفة للتكيف، وأصوات تستحق أن تكون جزءًا من الحل. ولهذا، فإن شعار هذا العام لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار فالتجارب المعاشة مسموعة.. أصوات حقيقية، تغيير حقيقي. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد هذا اليوم هو ماذا فعلنا بما سمعناه؟





