تحدي هافيستو: ما الذي ينتظر المبعوث الجديد للسودان الذي عينه الأمين العام للأمم المتحدة؟


بقلم كارلا ديفيز – Eurasia Review
تم تعيين بيكا هافيستو، وزير خارجية فنلندا السابق، مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى السودان. وقد أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك هذا التعيين، مشيرًا إلى خبرة هافيستو الطويلة التي تمتد لأربعة عقود في مجال العلاقات الدولية والوساطة في النزاعات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي ينتظر هافيستو في مهمته الجديدة؟ وهل سيكون قادرًا على إنقاذ جهود السلام المتعثرة في السودان، أم أن المهمة ستكون شديدة التعقيد والمخاطر؟
لا شك في أن هافيستو يمتلك مؤهلات كبيرة لهذا الدور. فهو يخلف الدبلوماسي الجزائري رامتان لعمامرة، ويتمتع بخبرة واسعة في الشؤون الأفريقية. فقد شغل سابقًا منصب الممثل الخاص لفنلندا لشؤون الوساطة وإدارة الأزمات في أفريقيا، كما عمل ممثلًا خاصًا للاتحاد الأوروبي في السودان. بالإضافة إلى ذلك، شارك مستشارًا رفيعًا في عملية السلام في دارفور، ما يمنحه معرفة عميقة بطبيعة الصراع وتعقيداته في المنطقة.
لكن هافيستو يدخل إلى ساحة سياسية وأمنية معقدة للغاية، حيث تتعدد مبادرات السلام وتتقاطع المصالح الخارجية، بينما تسعى القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وتحالفاتها الإسلامية، وفق العديد من التقديرات، إلى تجنب تقديم تنازلات قد تقود إلى تسوية سياسية.
توجد في الوقت الحالي عدة مبادرات سلام متوازية أو غير منسقة بشكل كافٍ، وهو ما سيشكل تحديًا كبيرًا أمام المبعوث الجديد الذي سيحتاج إلى محاولة توحيدها أو تنسيقها. ومن بين هذه المبادرات إعلان جدة الذي يركز على وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، إلا أنه فشل حتى الآن في تحقيق هدنة دائمة أو إيجاد آليات فعالة لتنفيذ الاتفاقات.
كما يواصل ما يعرف بالتحالف الرباعي، الذي يضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، الدفع نحو حل سياسي للأزمة. وفي الوقت ذاته، تمتلك الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) والاتحاد الأفريقي مبادرات وخرائط طريق ومبعوثين خاصين بهم. وقد حذر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في وقت سابق من تعدد مبادرات الوساطة، داعيًا إلى تنسيقها ضمن إطار مشترك بين الاتحاد الأفريقي وإيغاد.
وسيكون من أبرز التحديات أمام هافيستو تجنب إضافة مبادرة جديدة منفصلة، والعمل بدلًا من ذلك على جمع هذه الجهود المختلفة ضمن مسار موحد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دعم الشركاء الرئيسيين القادرين على التأثير في أطراف النزاع.
كما يتعين على المبعوث الأممي أن يكون واقعيًا بشأن حدود صلاحياته. فبصفته “المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان”، فإن سلطاته تتركز أساسًا في مجال الدبلوماسية والإقناع والتنسيق، وليس لديه أدوات ضغط مباشرة مثل العقوبات أو القوة العسكرية أو الموارد المالية.
وسيتمثل دوره الأساسي في التواصل مع الأطراف السودانية والإقليمية والدولية المعنية بالأزمة، إلى جانب دعم المسارات السياسية والإنسانية. غير أن قدرته على فرض قرارات أو إلزام الأطراف المتحاربة تظل محدودة.
ومن الحقائق التي يدركها هافيستو جيدًا أن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قد قدم الحرب في عدة مناسبات باعتبارها معركة يجب أن تنتهي بانتصار عسكري حاسم، وليس بتسوية تقوم على تقاسم السلطة مع قوات الدعم السريع. كما أعلن مرارًا رفضه لفكرة المصالحة مع هذه القوات.
ومن المرجح أن يكون هافيستو قد سمع من البرهان الرسالة نفسها التي تلقاها العديد من المبعوثين الدوليين من قبله، وهي أن الحرب ستستمر حتى هزيمة ما تصفه القيادة العسكرية بـ”التمرد”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع. وحتى عندما ظهرت إشارات محدودة إلى مرونة محتملة، مثل الحديث عن سحب بعض التشكيلات الإسلامية مقابل استئناف الوساطة، سرعان ما تراجعت هذه الإشارات نتيجة التصريحات أو التحركات اللاحقة، ما أضعف الثقة في تلك الالتزامات.
وفي المقابل، تواجه قيادة قوات الدعم السريع تحدياتها الخاصة، إذ يرتبط بقاؤها السياسي وسرديتها الداخلية بالحفاظ على صورة القوة التي لا تتراجع أو “تخون” مجهودها العسكري، الأمر الذي يجعل أي مقترحات لخفض التصعيد أو تقديم تنازلات متبادلة أكثر تعقيدًا.
ويزداد المشهد تعقيدًا بسبب تحالفات الجيش السوداني مع بعض المجموعات الإسلامية المسلحة، وهو ما يثير مخاوف لدى عدد من الجهات الدولية. فقد اعتمدت العمليات العسكرية في بعض المناطق على تشكيلات مثل لواء البراء بن مالك، الذي يقال إن عدد مقاتليه يصل إلى عشرات الآلاف، ويُعرف بإعلانه الولاء لتيارات إسلامية، بينها جماعة الإخوان المسلمين.
وتنظر العديد من الأطراف الدولية إلى هذه المجموعات باعتبارها قوى متشددة يمكن أن تعرقل أي تسوية سياسية، وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل عقوبات على بعض الكيانات المرتبطة بها، ما يزيد من تعقيد العلاقات الدولية مع تحالف البرهان.
ويرى عدد من المحللين أن العلاقة بين البرهان وهذه القوى الإسلامية تجمع بين البعدين العملي والأيديولوجي في الوقت نفسه. فهي توفر للجيش دعمًا بشريًا ولوجستيًا مهمًا في ساحة المعركة، كما تشكل جزءًا من مشروعه السياسي، وهو ما قد يفسر تفضيله استمرار الحرب بدلًا من الدخول في تسوية.
ومن وجهة نظر هافيستو، فإن أي تحرك جاد نحو تسوية سياسية قد يؤدي إلى إضعاف أو تفكك قاعدة الدعم التي يعتمد عليها البرهان، الأمر الذي قد يدفعه إلى محاولة الظهور بمظهر المتعاون مع الجهود الدولية، بينما يواصل في الوقت نفسه الحفاظ على تحالفاته الداخلية.
كما تشعر الدول الأوروبية والولايات المتحدة بقلق كبير من توسع نفوذ جماعة الإخوان المسلمين خارج المنطقة، ولا ترغب في رؤية شرق أفريقيا يتحول إلى نقطة انطلاق لنشاطها السياسي أو التنظيمي.
وبالتالي، يجد البرهان نفسه في وضع معقد بين حاجته إلى الاعتراف والشرعية الدولية من جهة، واعتماده على حلفاء يجعلونه أقل قبولًا لدى العديد من الشركاء الدوليين من جهة أخرى.
ويمثل هذا التناقض تحديًا مباشرًا أمام هافيستو. فمحاولة تصميم مسار حوار يسمح للبرهان بتقليل اعتماده على هذه القوى دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار تحالفه الداخلي تبدو مهمة شبه مستحيلة.
وعندما نضيف إلى ذلك ضرورة تنسيق مبادرات السلام الدولية المختلفة وتحويلها إلى خارطة طريق سياسية وإنسانية واحدة تتمتع بالمصداقية، يصبح من الواضح حجم الصعوبات التي تنتظر المبعوث الأممي الجديد في مهمته بالسودان.

=======
كارلا ديفيز صحفية مقيمة في بروكسل. تكتب عن الشؤون الخارجية لموقع “تقرير الاتحاد الأوروبي السياسي” ولديها اهتمام بشرق أفريقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى