حرب السودان تعود إلى مركز الاهتمام الدولي

في لحظةٍ إقليميةٍ بالغة التعقيد، وفي ظلّ استمرار الحرب السودانية وما خلّفته من مآسٍ إنسانيةٍ وانهيارٍ مؤسسيٍّ غير مسبوق، جاء مؤتمر برلين ليشكّل محطةً سياسيةً مهمّةً في مسار البحث عن مخرجٍ حقيقيٍّ للأزمة السودانية. ولم يكن المؤتمر مجرّد لقاءٍ دبلوماسيٍّ عابر، بل مثّل محاولةً جادّةً لإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي تجاه السودان، بعد شهورٍ من التردّد، وتضارب المبادرات، وتقدّم منطق السلاح على حساب منطق الدولة.

تكمن أهمية مؤتمر برلين في أنّه قدّم ثلاث وثائق رئيسة بدت، في مجموعها، أقرب إلى خارطة طريق متكاملة لإعادة ضبط بوصلة التعامل مع الأزمة السودانية. فقد عبّر نداء القوى المدنية المشاركة عن عودة الصوت المدني إلى واجهة المشهد، بوصفه صاحب المصلحة الأولى في إنهاء الحرب واستعادة الدولة. وكان ذلك النداء تذكيراً ضرورياً بأنّ السودان لا يمكن أن يُختزل في أطراف الصراع المسلّح، ولا أن يُترك رهينةً لتوازنات البنادق ومصالح القوى المتنازعة.

أما بيان اللجنة الخماسية، فقد حمل دلالةً سياسيةً لا تقلّ أهمية، إذ وفّر غطاءً دولياً وإقليمياً واضحاً يرفض شرعنة سلطات الأمر الواقع أو القبول بهياكل موازية تهدّد وحدة السودان وسيادته. وفي ذلك رسالةٌ حاسمة بأنّ المجتمعين الإقليمي والدولي باتا أكثر إدراكاً لخطورة تفكّك الدولة السودانية، ولأنّ أي تسويةٍ تتجاوز مؤسسات الشرعية الوطنية لن تؤدّي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسام.

ثم جاء البيان الختامي للمؤتمر ليجمع بين المسارين الإنساني والسياسي في رؤيةٍ واحدة؛ فلا إغاثة بلا استقرار، ولا استقرار بلا حلّ سياسي شامل، ولا حلّ دائماً من دون استعادة المسار المدني الديمقراطي. وهذه المقاربة تعبّر عن نضجٍ أكبر في فهم طبيعة الأزمة السودانية، باعتبارها أزمة دولةٍ لا مجرّد نزاعٍ عسكريٍّ عابر.

إنّ الرسالة الأهم التي خرج بها مؤتمر برلين هي أنّ السودان عاد إلى مركز الاهتمام الدولي، ليس فقط بوصفه بؤرة أزمة إنسانية، بل بوصفه ركناً أساسياً في أمن الإقليم واستقراره. فاستمرار الحرب يهدّد جوار السودان المباشر، ويضاعف أزمات اللجوء والنزوح، ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية وشبكات الفوضى العابرة للحدود.

غير أنّ نجاح أي مخرجات دولية سيظلّ رهناً بقدرة السودانيين أنفسهم على التقاط هذه اللحظة، وتوحيد صفوف القوى المدنية، وبناء جبهة وطنية واسعة تدفع نحو وقف الحرب واستعادة الدولة. فالمؤتمرات الدولية تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تعبرها نيابةً عن أصحاب القضية.

من هنا، يمكن النظر إلى مؤتمر برلين باعتباره فرصةً سياسيةً ينبغي عدم التفريط فيها؛ فرصةً لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني السوداني، ولإثبات أنّ صوت المدنيين ما زال قادراً على فرض نفسه رغم ضجيج السلاح، وأنّ السودان، مهما طال نزيفه، قادرٌ على العودة إلى طريق الدولة والسلام والديمقراطية.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى