أجيال السودان وإهدار التعليم (10) هل ينتظر التعليم الاستقرار… أم يصنعه؟

عثمان يوسف خليل
كلما اقتربنا من جوهر أزمة التعليم في السودان، نجد أنفسنا أمام سؤال يتكرر بصيغ مختلفة، لكنه يحمل نفس المعنى:
هل يمكن إصلاح التعليم في ظل غياب الاستقرار السياسي؟
أم أن التعليم نفسه يمكن أن يكون مدخلًا لهذا الاستقرار؟
سؤال يبدو نظريًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة عملي جدًا، لأنه يحدد: من أين نبدأ؟
هناك من يرى أن الحديث عن إصلاح التعليم الآن، في ظل الحروب والنزاعات والانهيار الاقتصادي، هو نوع من القفز فوق الواقع. وأن الأولوية يجب أن تكون لإيقاف النزيف، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، ثم بعد ذلك يمكن التفكير في المدارس والمناهج والمعلمين.
هذا الرأي يبدو منطقيًا… فكيف يمكن لطفل أن يتعلم، ومدرسته مهددة؟ وكيف يمكن لمعلم أن يُعطي، وهو لا يجد استقرارًا في حياته؟
لكن في المقابل، هناك رأي آخر لا يقل قوة، يرى أن تأجيل التعليم بحجة انتظار الاستقرار، هو في حد ذاته أحد أسباب استمرار الأزمة.
لأن جيلًا ينشأ خارج التعليم، هو جيل أكثر عرضة للانخراط في الفوضى، وأقل قدرة على بناء السلام. وبهذا المعنى، يصبح التعليم ليس نتيجة للاستقرار، بل شرطًا من شروطه.
بين هذين الرأيين، لا يبدو أن هناك تناقضًا حقيقيًا، بقدر ما هناك حاجة لإعادة ترتيب الفهم.
فالتعليم لا ينتظر الاستقرار الكامل، ولا يمكن أيضًا أن يعمل بمعزل عن الواقع. الحل ليس في اختيار أحد الطرفين، بل في الجمع بينهما: أن نُبقي التعليم حيًا، حتى في أسوأ الظروف، وأن نُعيد بناءه كلما تحسنت الأوضاع.
التجارب من حولنا تقول إن الدول التي مرت بظروف صعبة، لم توقف التعليم بالكامل، بل حاولت أن تحافظ عليه بأشكال مختلفة: مدارس مؤقتة، مناهج مرنة، ودعم مجتمعي يسند ما تعجز عنه الدولة.
السؤال إذن ليس: هل نؤجل التعليم؟
بل: كيف نحميه من الانهيار؟
وهنا تظهر مسؤولية الجميع، لا الدولة وحدها.
المجتمع، الأسرة، المبادرات المحلية، وحتى الأفراد… كلهم يمكن أن يكون لهم دور في إبقاء هذا الخيط حيًا.
قد لا يكون التعليم في أفضل حالاته الآن، لكنه إن انقطع، فسيكون من الصعب جدًا إعادة وصله.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على الظروف، بل على القدرة على الفعل داخل هذه الظروف.
في النهاية، لا يمكن فصل التعليم عن الاستقرار، لكن لا يجب أيضًا رهنه به بالكامل.
التعليم يمكن أن يكون بداية الطريق… حتى لو كان الطريق غير ممهد.
وفي الحلقة القادمة، سنحاول أن نقترب من سؤال مختلف، لكنه لا يقل أهمية:
ما هو شكل التعليم الذي نريده أصلًا؟ هل نبحث عن تعليم يُنتج موظفين، أم إنسانًا قادرًا على التفكير والتغيير؟
لأن الإجابة على هذا السؤال، هي التي ستحدد كل ما بعده..





