لغز الصورة المحذوفة.. يفتح تساؤلات عن هوية المتورطين مع “حسناء إيران”

إسقاط مسيّرة يكشف شبكة دولية لتجارة وتهريب السلاح

أفق جديد

الصدفة وحدها هي التي أزاحت الستار عن أكبر شبكة معقدة لتهريب السلاح إلى داخل السودان، تمتد من لوس أنجلوس إلى عُمان وأبوظبي وإسطنبول وقيرغيزستان. فعندما أسقطت قوات الدعم السريع إحدى الطائرات المسيّرة “مهاجر 6” في منطقة نائية من دارفور، لم يكن ذلك الجندي البسيط يظن أن عمله سيكشف تلك الشبكة الممتدة. ولا عندما قام مسؤول استخبارات الدعم السريع بتسليم حطام الطائرة إلى إحدى المنظمات، كان الهدف يتجاوز إثبات تورط طهران في دعم الجيش السوداني بالمسيّرات، غير أن الحطام الذي وصل بطريقة أو بأخرى إلى الاستخبارات الأمريكية قلب الأمر رأسًا على عقب.

وتقول المعلومات التي حصلت عليها “أفق جديد” من مصادر متطابقة إن فحص الحطام أثبت وجود أجزاء من الطائرة المسيّرة الإيرانية هي أجزاء أمريكية الصنع، ما استدعى إعلان الأجهزة الأمريكية حالة استنفار قصوى لمعرفة كيف تسربت هذه الأجزاء إلى عدوها اللدود. وحتى تلك اللحظة، لم يكن في الحسبان لدى الضباط أن سودانيين ربما يكونون متورطين في هذا العمل الذي يهدد الأمن الأمريكي بشكل مباشر. وبتتبع القطع المسربة، قادتهم التحقيقات إلى شركة أمريكية مقرها لوس أنجلوس، تديرها شابة إيرانية تدعى شميم مافي، تبلغ من العمر 44 عامًا، وتقيم في الولايات المتحدة بشكل رسمي، وليس في سجلها ما يوحي بانتمائها إلى نظام الملالي.

ووفقًا للمصادر، فإن التحريات الأمريكية أثبتت أن شميم باعت قطع الغيار التي اشترتها إلى شركة في قيرغيزستان يديرها رجل الأعمال الأوكراني من أصل سوداني أحمد عبد الله، بتمويل من أحد فروع البنوك السودانية في الخارج، والذي قام بدوره ببيعها إلى إيران، ليقوم الرجل بمساعدة شميم وآخرين بعقد صفقة المسيّرات التي سقطت إحداها وكشفت المخبوء.

وقالت المصادر إن شميم باتت على صلات واسعة بشبكات تجار الأسلحة السودانيين، وكانت تلتقيهم في العديد من العواصم، خاصة تركيا، التي دارت فيها، فور إعلان القبض على الحسناء الإيرانية، قصة أخرى على صلة بالوقائع التي تجري فيها الأجهزة العدلية تحريات وتحقيقات واسعة، ربما يتورط فيها العديد من السودانيين.

ففي 22 نوفمبر 2023، ظهرت على حساب منسوب إلى رئيس جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الوطنيين في تركيا صورة لافتة جمعت أطرافًا في سياق لقاء أعمال. في الصورة، ظهرت شميم مافي إلى جانب رئيس الجمعية فيريدون أونجَل، ورجل أعمال سوداني لم يجرِ التعريف به داخل النص المرافق، ولم يُذكر اسمه، وإنما أُشير إليه بعبارة “رجل الأعمال السوداني”.

لم تكن الصورة في حينها محط اهتمام واسع، إذ بدت في إطار مألوف من لقاءات الأعمال العابرة بين تركيا ودول أخرى، حيث تتقاطع التجارة مع الوساطة الاقتصادية، وتُقدَّم الشخصيات أحيانًا بصفات وظيفية أكثر من كونها تعريفات شخصية دقيقة.

لكن ما بدا تفصيلاً عابرًا في ذلك الوقت، عاد إلى الواجهة بعد أشهر، حين تم الإعلان عن توقيف شميم مافي في الولايات المتحدة، على خلفية اتهامات خطيرة تتعلق بوساطة في صفقات سلاح مرتبطة بإيران والسودان.

عقب انتشار خبر الاعتقال، جرى حذف الصورة من الحساب ذاته الذي نشرها سابقًا، والاستعاضة عنها بصورة أخرى لا يظهر فيها الشاب السوداني المجهول. هذا التزامن بين إعادة تشكيل المحتوى البصري وسياق التطورات القضائية اللاحقة فتح باب التساؤلات، لا سيما حول طبيعة اللقاء وحدود العلاقات التي جمعت أطرافه، وما إذا كان الحذف إجراءً روتينيًا أم خطوة مرتبطة بتغير السياق العام للقضية.

غير أن الوقائع الموثقة حتى الآن تقف عند حدود واضحة: صورة منشورة بتاريخ محدد، ثم حذف لاحق، وتطور قضائي مستقل في الولايات المتحدة يتعلق بشخصية وردت في الصورة. أما ما بين هذه النقاط من استنتاجات حول طبيعة العلاقات أو أدوار المشاركين، فلا يزال في نطاق التأويل، في ظل غياب أي معلومات مؤكدة حول الشاب السوداني الذي ظهر في الصورة.

ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تعيد تسليط الضوء على طبيعة عالم الأعمال العابر للحدود، حيث لا تكون اللقاءات دائمًا شفافة في تفاصيلها الكاملة، وحيث يمكن لصورة واحدة أن تتحول — مع تغير السياق — من مشهد عابر إلى مادة مفتوحة على قراءات متضاربة.

بدورها، قامت “أفق جديد”، التي حصلت على الصورة المحذوفة بتقنية البحث العكسي، بعرضها على عدد من رجال الأعمال السودانيين، الذين نفوا معرفتهم بالشاب الذي ظهر وهو يبتسم مع شميم، مستبعدين أن يكون من دوائر رجال الأعمال السودانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى