في سهولِها وحقولِها يتجول الشيطان.. كردفانُ صمامُ أمانِ غذاءِ السودان ترزحُ تحتَ النيران

أفق جديد 

في سهولها المترامية، حيث كانت السنابل تتمايل مع الريح وتسبقها رائحة المطر، وفي حقولها التي طالما حملت وعد الخصب، يتجول الشيطان اليوم فوق الرماد. كردفان، صمام أمان غذاء السودان، ترزح الآن تحت النيران، فيما تتصاعد من أرضها أسئلة الوطن كله: كيف تحوّل مخزن الحياة إلى ساحة حرب؟ وكيف صار الإقليم الذي كان يطعم البلاد، يبحث عن لقمة نجاة لأبنائه؟

في قلب السودان، حيث تمتد الأرض بين الصحارى الشمالية والسهول الجنوبية، وحيث تتقاطع الطرق القادمة من النيل ودارفور والجنوب، يقف إقليم كردفان على حافة نار مشتعلة. منذ أواخر عام 2025 وبدايات 2026، لم يعد هذا الإقليم ذلك العمق الجغرافي الهادئ الذي ظل بعيداً نسبياً عن مركز العاصفة، بل أصبح واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

هناك، في المسافات الواسعة التي كانت تُعرف بالقوافل والأسواق ومواسم الحصاد، صار صوت المدافع أعلى من نداء الرعاة، وأصبحت الطرق التي كانت تحمل التجارة والغلال تحمل النازحين والخوف. وكأن طرفي النزاع أدركا معاً أن من يضع يده على كردفان، يضع يده على قلب السودان نفسه؛ فالإقليم ليس مجرد مساحة واسعة، بل عقدة مواصلات حيوية تربط شمال البلاد بغربها وجنوبها، وممراً أساسياً للإمداد والسيطرة والحركة.

جغرافيا المكان

يمتد كردفان على مساحة تقارب 390 ألف كيلومتر مربع، داخل دولة تُقدَّر أراضيها الصالحة للزراعة بنحو 400 مليون فدان، أي ما يعادل 105 ملايين هكتار، تمثل نحو 42% من إجمالي مساحة السودان. وتقع نسبة معتبرة من هذه الأراضي الخصبة داخل نطاق كردفان، خاصة في أجزائها الوسطى والجنوبية، حيث تتدرج الطبيعة من الصحراء وشبه الصحراء شمالاً إلى أحزمة السافنا الفقيرة ثم السافنا الغنية جنوباً.

في شمال الإقليم، حيث الرمال وندرة المياه، تنتشر أشجار السنط والشجيرات الشوكية، ويعتمد السكان على رعي الإبل والأغنام والماعز. أما كلما اتجهت جنوباً، فإن الأرض تنفتح على سهول طينية خصبة، ومراعٍ واسعة، وأحزمة نباتية كثيفة، تتخللها جبال النوبة الجرانيتية التي ترتفع حتى نحو 900 متر، كحراس قدامى يقفون على أطراف الأفق.

هناك، حيث تهطل الأمطار ما بين 300 إلى 800 ملم سنوياً، وتصل في أقصى الجنوب إلى 1400 ملم، تمتد مواسم المطر أحياناً من أربعة إلى ثمانية أشهر. ولذلك يمكن القول إن ما يقارب ثلثي مساحة كردفان يعد أرضاً صالحة للزراعة المطرية والمراعي الطبيعية، بل وقابلة للتطوير عبر الري المحوري واستغلال المياه الجوفية التي تختزنها باطن الأرض.

أرض الخير

هذه الجغرافيا لم تكن مجرد تضاريس صامتة، بل كانت على الدوام مصنعاً طبيعياً للغذاء والحياة. فالأرض في كردفان تعرف كيف تعطي إذا أُتيحت لها فرصة الاستقرار، وتعرف كيف تستجيب إذا نزل المطر في موسمه، ولذلك ارتبطت حياة الناس فيها بحسابات السماء والفصول.

في الشمال، يعيش الرعاة على إيقاع التنقل، يتتبعون الماء والكلأ، ويحفظون دروب الصحراء كما يحفظ غيرهم أسماء الشوارع. وفي الوسط، تتشابك الزراعة مع التجارة، وتقوم الأسواق الموسمية بدور القلب النابض. وفي الجنوب، حيث الأمطار أغزر والتربة أعمق خصوبة، تمتد الحقول الواسعة وتكثر القرى والمشاريع الزراعية.

ولم يكن هذا التنوع الجغرافي مجرد مشهد طبيعي، بل كان أساساً لتنوع اقتصادي واجتماعي كبير. فمنه خرجت أنماط عيش متعددة: الرعي، الزراعة المطرية، التجارة الريفية، الصناعات التقليدية، وجمع منتجات الغابات. ولهذا ظلت كردفان إحدى أكثر مناطق السودان قدرة على التكيف مع تقلبات الطبيعة، إلى أن جاءت الحرب بما لا يمكن للطبيعة احتماله.

وزن اقتصادي

اقتصادياً، ظل الإقليم أحد أعمدة الأمن الغذائي في السودان. فالزراعة في عموم البلاد تمثل نحو 38.7% من الناتج القومي وفق تقديرات سابقة، ويعمل بها نحو 80% من السكان، بينما ترتفع النسبة في كردفان إلى ما لا يقل عن 85% من السكان الذين يعتمدون على الزراعة والرعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

هنا تُزرع الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني والقطن، وهنا تنتشر أشجار الهشاب المنتجة للصمغ العربي، وهنا ترعى ملايين الرؤوس من الإبل والأغنام والأبقار. لم تكن كردفان مجرد إقليم منتج، بل كانت خزاناً استراتيجياً يوازن الأسواق ويغذي المدن ويمنح السودان قدرة على الصمود.

تمثل كردفان المصدر الأول لإنتاج الصمغ العربي في السودان، بينما يحتل السودان نفسه نحو 80% من السوق العالمي لهذه السلعة الاستراتيجية التي تدخل في الصناعات الغذائية والدوائية والتقنية. وفي سهول كردفان تنتشر أشجار الأكاسيا “الهشاب” بكثافة اقتصادية تجعل الإقليم قلب هذه الصناعة.

محاصيل وفيرة

كما تحتل كردفان المركز الأول في إنتاج الفول السوداني بين الأقاليم المطرية، إذ يستحوذ الإقليم على نحو 33% من إنتاج القطاع المطري السوداني لهذه السلعة المهمة. وتمثل كذلك المصدر الثاني لإنتاج السمسم بعد القضارف، إذ يسهم القطاع المطري فيها بنحو 19% من السمسم المنتج في القطاع المطري السوداني.

وفي إنتاج الحبوب الغذائية تحتل موقعاً متقدماً، إذ بلغت حصتها في عام 1995 نحو 15.7% من إجمالي المحاصيل الغذائية المنتجة بالزراعة المطرية التقليدية والميكنة الزراعية في السودان، حين بلغ إجمالي الإنتاج القومي آنذاك نحو 4,958,000 طن.

كما تنتج ما يقارب 6.8% من النسبة الكلية للذرة المرتبطة بالقطاع المطري. وفي جنوبها، خاصة في مشاريع هبيلة، برزت كردفان واحدة من أكبر مناطق الزراعة الآلية في السودان، وكانت تنتج نحو 6.2% من إجمالي الذرة المنتج بمشاريع الميكنة الزراعية.

هذه الأرقام لا تمثل سجلاً قديماً فقط، بل تكشف أن الإقليم يملك قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة، إذا توفرت الإدارة الرشيدة والاستقرار والتمويل والتقنيات الحديثة.

ثروة ماشية

في الثروة الحيوانية يظهر الوزن الحقيقي للإقليم بوضوح أكبر. فالقطاع الحيواني يمثل نحو 38% من مساهمة الزراعة في الناتج القومي السوداني، وتسهم كردفان وحدها بنحو 21% من مساهمة الثروة الحيوانية في الدخل القومي.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن نحو 55% من الثروة الحيوانية السودانية توجد في كردفان، من أصل قطيع قومي قُدِّر بنحو 124 مليون رأس. هذه الكتلة الحيوانية الهائلة تشمل الإبل والأغنام والأبقار، وتشكل عماداً للتجارة الداخلية والصادرات الخارجية.

وتحتل كردفان المركز الأول في تصدير الإبل إلى مصر وغيرها، كما تتصدر صادرات الأغنام السودانية، خاصة السلالات المعروفة باسم “السواكني”، ومنها الخراف الحمرية والكباشية التي تُصدَّر إلى أسواق الخليج.

كما تمتلك قبائل البقارة المتوطنة بكثافة في الإقليم ما يقارب 80% من الأبقار في السودان، ما يجعل كردفان مركزاً اقتصادياً وثقافياً في آن واحد، حيث ترتبط الماشية بالمكانة الاجتماعية وبالتراث وبالقدرة على العيش.

جذور التاريخ

لكن كردفان ليست مجرد أرقام أو محاصيل أو قطعان ماشية، بل حكاية طويلة محفورة في طبقات الزمن.

في البدايات، سكنت هذه الأرض شعوب نوبية ناطقة بلغاتها القديمة، ويُرجح أن اسم كردفان يعود إلى كلمة نوبية تعني “الرجال”. ثم مرت عليها سلطات وممالك، من تونغور إلى كانم–برنو، حيث عبرت القوافل الصحارى محملة بالبضائع والسلع والأفكار.

ثم جاءت موجات القبائل العربية من الشمال، واختلطت بالسكان المحليين، فتشكلت هوية مركبة مزجت بين الرعي والزراعة، وبين العربية واللغات المحلية، وبين التقاليد الصحراوية والسافناوية.

وفي القرن السابع عشر قامت سلطنة المسابعات، ثم تنازع الإقليم الفونج وسلاطين دارفور، قبل أن يدخل تحت الإدارة المصرية في القرن التاسع عشر، حيث أصبحت موارده جزءاً من شبكة حكم أوسع.

لحظات فاصلة

ولما اندلعت الثورة المهدية، كانت كردفان ساحة حاسمة، إذ شهدت معركة قَزقيل عام 1883 التي أُبيدت فيها قوات هيكس باشا، في لحظة غيّرت مسار السلطة في السودان.

ثم جاء الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبعده استقلال السودان عام 1956. غير أن الاستقلال السياسي لم يصحبه توزيع عادل للثروة والتنمية. فرغم ما تمنحه كردفان من موارد، ظلت أقل حظاً في البنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار.

ومع مرور السنوات، تعمق الشعور بالتهميش، خاصة في جنوب كردفان، حيث تداخلت قضايا الهوية مع قضايا التنمية والانتماء السياسي. وأصبحت أجزاء من الإقليم مسرحاً لصراعات متقطعة مرتبطة بالحرب الأهلية السودانية وتداعياتها.

ثم جاء انفصال جنوب السودان عام 2011 ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ أصبحت حدود الإقليم تمس دولة جديدة تحمل بدورها أزمات مفتوحة.

حرب راهنة

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت كردفان إلى ساحة مركزية للصراع. فالسيطرة على الإقليم تعني التحكم في طرق الإمداد بين غرب السودان ووسطه وشماله، وتعني امتلاك مساحات مفتوحة للحركة والتمركز.

في مدينة الأبيض، العاصمة التاريخية للإقليم، تبدل وجه الحياة. المدينة التي كانت مركزاً تجارياً نابضاً يصل غرب السودان بشرقه، صارت مثقلة بالصمت والخوف. أُغلقت الأسواق، وانقطعت طرق الإمداد، وتراجعت الحركة الاقتصادية التي كانت تنعش الإقليم كله.

وفي جنوب كردفان، حول كادوقلي وجبال النوبة، تبدو الحرب امتداداً لذاكرة طويلة من النزاعات. الطائرات المسيّرة تضرب من السماء، والاشتباكات البرية تقترب من القرى، والنزوح يعود كأنه قدر متكرر.

القرى التي كانت تستيقظ على أصوات الطيور والمزارعين، أصبحت تستيقظ على أصوات الانفجارات وعلى أخبار من رحلوا ومن نزحوا ومن فُقدوا.

نزوح واسع

المأساة الإنسانية في كردفان جزء من المأساة السودانية الكبرى. فقد نزح الملايين داخل السودان منذ اندلاع الحرب، وكان للإقليم نصيب وافر من موجات النزوح الجماعي، سواء من مناطقه أو إليه أو عبره.

العائلات التي كانت تملك بيوتاً وحقولاً وقطعاناً أصبحت تحمل ما خف وزنه من المتاع، وتسير نحو مدن مكتظة أو مخيمات مؤقتة أو قرى بعيدة. وكثيرون فقدوا مصادر دخلهم بالكامل.

الأطفال خرجوا من المدارس، والنساء تحملن عبء الإعالة، وكبار السن وجدوا أنفسهم في مواجهة حياة جديدة قاسية لا تشبه ما عرفوه من قبل. وفي ظل تراجع الخدمات الصحية وانتشار سوء التغذية، يصبح النزوح أكثر من انتقال جغرافي؛ يصبح اقتلاعاً اجتماعياً ونفسياً عميقاً.

خراب الزراعة

أما الخسارة الأكبر، فهي خسارة الإنتاج نفسه. فالزراعة التي تحتاج إلى استقرار، تعطلت في معظم المناطق المتأثرة بالنزاع. نزح المزارعون، وتُركت أراضٍ واسعة بلا حرث، وارتفعت أسعار البذور والأسمدة والوقود.

تراجع إنتاج الذرة والدخن، وهما غذاء أساسي لملايين السكان. وتضرر السمسم والفول السوداني، وهما مصدر دخل نقدي لعشرات الآلاف من الأسر. وتعطلت معاصر الزيوت، وانهارت سلاسل التخزين والنقل.

المزارع الذي كان ينتظر المطر صار ينتظر الهدوء. والعامل الزراعي الذي كان ينتظر الحصاد صار يبحث عن طريق آمن للخروج. والحقول التي كانت تضج بالحياة صارت مهجورة، تبتلعها الأعشاب أو تمر فوقها عربات الحرب.

ومع كل موسم زراعي ضائع، تتراكم الخسارة ليس في الأرقام فقط، بل في خبرة الناس وعاداتهم وارتباطهم بالأرض.

صمغ متعثر

الصمغ العربي، الذي يمنح السودان ثقلاً عالمياً، تأثر بشدة. فقد أصبح الوصول إلى مناطق الطق والفرز والتجميع محفوفاً بالمخاطر، وتعطلت حركة التجارة بين القرى والأسواق، فانخفضت الكميات المنتجة والمصدرة، وتراجعت دخول آلاف الأسر.

والصمغ ليس مجرد سلعة، بل اقتصاد موسمي كامل تعتمد عليه مجتمعات واسعة. حين يتعطل موسمه، تتعطل قدرة الأسر على شراء الغذاء والدواء ورسوم التعليم.

كما أن اضطراب التصدير يفتح المجال أمام منافسين جدد في السوق العالمي، وهو ما يعني أن استعادة الحصة السوقية لاحقاً قد تكون أصعب من مجرد استعادة الإنتاج المحلي.

الرعي المتعب

أما الثروة الحيوانية، فقد أصابتها الحرب في صميمها. تعطلت مسارات الرعي التقليدية، وتكدست القطعان في مناطق محدودة، وانتشرت الأمراض، واشتدت النزاعات حول الماء والكلأ.

كما تعرضت أعداد من الماشية للنهب أو النفوق، وارتفعت تكاليف الترحال والرعاية البيطرية. وأصبح الوصول إلى الأسواق المركزية أو موانئ التصدير أكثر صعوبة، ما أضعف تنافسية الصادرات السودانية.

الرعاة الذين كانوا يتحركون وفق مواسم معلومة، باتوا يتحركون وفق خرائط الخطر. والمواشي التي كانت ثروة متنقلة، أصبحت عبئاً مكلفاً حين تنعدم الطرق الآمنة والمراعي الكافية.

موارد باطنية

إلى جانب الزراعة والرعي، يملك الإقليم موارد طبيعية في باطن الأرض. فقد أشارت تقارير سابقة إلى وجود احتياطات من النفط والغاز الطبيعي في أجزاء من شمال كردفان ودارفور، إضافة إلى مؤشرات لثروات معدنية في شرق وجنوب شرق جبال النوبة.

غير أن هذه الموارد، بدلاً من أن تتحول إلى رافعة تنمية، بقيت رهينة ضعف التخطيط والصراع وغياب الإدارة العادلة. وفي كثير من الأحيان، تصبح الثروة غير المُدارة سبباً إضافياً للتنافس والنزاع.

ولو أُديرت هذه الموارد بشفافية، وربطت بعوائد محلية حقيقية، لأمكن أن تسهم في بناء طرق ومستشفيات ومدارس ومشاريع مياه تغيّر حياة ملايين السكان.

مجتمع مثقل

ومن الآثار العميقة أيضاً هجرة الشباب والكفاءات، إذ غادر كثيرون بحثاً عن الأمان أو العمل. فخسرت كردفان طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في تطوير الزراعة والصناعة والتجارة.

وتحملت النساء أعباء إضافية، إذ أصبحت كثيرات مسؤولات عن إعالة الأسر بعد نزوح الرجال أو فقدانهم أو انشغالهم بالحرب. وبرغم دور المرأة في الزراعة الصغيرة وتربية الدواجن والتجارة البسيطة، واجهت نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

أما الأطفال، فقد أصابهم انقطاع التعليم وسوء التغذية والنزوح، وهو ما يهدد رأس المال البشري في المستقبل. فالمدرسة حين تُغلق، لا يتوقف درس يوم واحد فقط، بل يتعطل مستقبل كامل.

طريق التعافي

ومع ذلك، ما زالت كردفان تملك مقومات النهوض. فالأرض ما زالت هناك، والثروة الحيوانية يمكن إعادة بنائها، وأشجار الهشاب قادرة على الإثمار من جديد، والإنسان الكردفاني ما زال يحمل خبرة قرون في الزراعة والرعي والتجارة.

لكن استعادة هذا الدور تتطلب أولاً وقف الحرب، ثم إعادة الأمن وسيادة القانون، وفتح الطرق، وعودة النازحين، وتمويل المزارعين، وتوفير الخدمات البيطرية، وتأهيل البنية التحتية.

كما تتطلب دعماً للصناعات المحلية المرتبطة بالإنتاج الزراعي والحيواني، مثل عصر الزيوت، وتصنيع الألبان، وفرز الصمغ العربي، حتى لا يظل الإقليم مجرد منتج خام دون قيمة مضافة.

وينبغي إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط للتنمية، لأن سكان كردفان أدرى بمسارات حياتهم واحتياجاتهم، كما أن تعزيز المصالحات الاجتماعية بين الرعاة والمزارعين يمكن أن يؤسس لاستقرار دائم.

خاتمة مفتوحة

فكردفان ليست عبئاً على السودان، بل واحدة من أكبر فرصه الضائعة. هذا الإقليم، بحكم موقعه وموارده وتنوعه الاجتماعي، ظل في قلب التحولات الكبرى للدولة السودانية، لكنه ظل كذلك عرضة للصراع والتهميش والتنافس على السلطة.

ويبقى مستقبل كردفان، كما مستقبل السودان كله، معلقاً على نهاية هذه الحرب، وعلى قدرة الدولة القادمة ـ إن قامت ـ على تحويل الثروة إلى عدالة، والموارد إلى تنمية، والهامش إلى شريك كامل في الوطن.

فإذا عاد السلام، فإن السهول التي مرّ فوقها الشيطان يمكن أن تعود حقولاً للذرة والدخن والسمسم، ويمكن للنار أن تنطفئ، وللأرض أن تسترد ذاكرتها، ولصمام أمان غذاء السودان أن ينبض من جديد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى