جسدُ الملاكِ المحترق… شهادةُ إدانةٍ لزمنِ الحضيض (انتهاكاتُ الأطفالِ مجهولي الهوية)… إلى أين؟

ناهد إدريس | صحافية وناشطة في حقوق المرأة والطفل

إلى أيِّ حدٍّ يمكننا، نحن البشر، ممارسة القسوة واللاإنسانية وانعدام الأخلاق؟

هل يمكن أن تتفوّق قسوتنا وتصرفاتنا على أفعال الشيطان؟ أم نحن الشيطان، ولكن لا ندرك ذلك؟

لأن ما يحدث الآن يفوق بشاعة الوحوش والحيوانات…

ومن المؤسف أن يصدر ذلك من إنسان! أيّ إنسان؟!

إنها التي اختارها الله لحمل أمانة الخلافة على الأرض… اختار أن تكون الرحمة والرحم هناك، في جسد المرأة، وكرّمها بأن جعلها أمًّا. نعم، أمًّا.

يا لعظمة أن يتخلّق داخل جسدك مخلوقٌ من أعظم مخلوقات الله، فأكرمها وأحسن خلقها…

فكيف لكِ، أنتِ الأم، أن تستهيني بعظمة هذا الخلق؟

كيف، بكل هذه الفظاعة، ترمين قطعةً منك في النار؟!

حقًا… من أنتِ؟!

ساعاتٌ طويلة قضيتُها في حالةٍ من الاضطراب، وعدم القدرة على الاستيعاب…

هل يُعقل أن تُقدم أمٌّ على حرق مولودها؟ كيف؟

كيف؟ ولماذا؟ بأيِّ قلب؟

كيف تعيشين حياتك بعد ذلك؟

هل أنتِ مسخٌ مشوَّه من اللاإنسانية؟ هل أنتِ جثةٌ بلا روح؟!

لم تكن هذه الحالة الأولى خلال الأشهر الماضية… فقد شهدنا جميعًا، خلال الشهرين الماضيين، في مختلف أنحاء السودان، أطفالًا خدّجًا تمّ التخلّص منهم في مكبّات النفايات، أو تحت المراحيض، أو على قارعة الطريق…

تساءلت: كيف لنا أن نناشد العالم أن يرحمنا ويمنحنا السلام، ونحن مجتمعٌ لم تسلم نفوسه من هذه الجروح والشروخ المؤذية؟

أيُّ جرحٍ هذا الذي يصل بالمجتمع إلى قاعٍ بلا أخلاق ولا قيم؟

أين نحن؟ أين الأسرة؟ أين التربية؟ أين الدين والقيم؟

أين الدروس التي منحتنا إيّاها هذه الحرب من عبرٍ وقيم؟

يتحدّث البعض عن أن الأم ضحية انتهاكات الحرب… وهي كلمة حقٍّ أُريد بها باطل.

فأغلب ضحايا الحرب حالاتٌ معلومة، تعاطفت معها الأسر رحمةً بالبنات.

ثم ماذا عن المناطق التي لم تدُر فيها رحى الحرب؟

وماذا عن الأطفال مجهولي الهوية في دول المهجر، من طالبات سودانيات، حيث شهدتُ في عددٍ من العواصم حالات ولادة خارج إطار الزواج، قبل الحرب وخلالها، وهنّ في أمان من الانتهاكات؟

ثم لماذا لم تشهد دولٌ مثل سوريا ولبنان وجنوب السودان هذا العدد الكبير من الأطفال مجهولي الهوية؟

وماذا عن دار المايقوما قبل الحرب، وقد ضاق بها الحال بسبب تزايد أعداد الأطفال؟

أما الإحصاءات الرسمية، فقد تجاوزت حدَّ المعقول، حتى تمّ إهمال حصر هذه الحالات…

ومن فرط الإهمال، لم نجد وزيرًا أو مديرًا أو مسؤولًا يتحدّث عن تفاقم هذه الظاهرة، حتى إن وزيرة الرعاية الاجتماعية صارت كنعامةٍ تدفن رأسها، منشغلةً بحفلات شركاتٍ لا تمتّ لعملها بصلة!

إن ما يحدث الآن من تهتّكٍ للنسيج الاجتماعي لن تُفلح أي محاولات في ترقيعه…

إنه شرخٌ في جسد الأمة…

وإن لم تلتفت ما تُسمّى بالدولة إلى هذه الحالات وهذه الأوضاع، فسنجد هذا الوطن يحترق بلا ذنب، يحرقنا جميعًا، لنصبح جسدًا متفحّمًا خاليًا من الأخلاق والقيم والإنسانية…

سنحرق بعضنا بعضًا، وستحرقنا أمُّنا الأرض غضبًا…

سواء كنّا أبناءً معروفين أو مجهولي الأبوين… لأننا نصمت عن الحقيقة والحق…

حقيقة أن هذه الحرب سندفع ثمنها غاليًا…

وأن حق هذا الوطن علينا أن نقف جميعًا ضد هذا الموت غير الرحيم، وضد هذه الجرائم التي تفوق جرائم الإبادة الجماعية…

لأنها جريمة ارتُكبت بيد أمٍّ تجرّدت من إنسانيتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى