مشروع الدولة المدنية الديمقراطية والأسئلة الكبرى

بقلم : الهادي الشواف
يشكل مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في السودان أحد أبرز الطموحات السياسية التي برزت بقوة خلال السنوات الأخيرة خصوصًا بعد التحولات العميقة التي شهدها البلاد في السنوات الاخيرة، وهو يمثل أحد أهم أهداف وأحلام ثورة ديسمبر المجيدة التي اسقطت سلطة ما يسمى بالحركة الاسلامية، غير أن هذا المشروع والحلم المشروع رغم جاذبيته وشعبيته الواسعة الا أنه يواجه مجموعة من “الأسئلة الكبرى” التي تحتاج إلى ايجابات شافية لتحديد مصيره وإمكانيات تحققه على أرض الواقع، هذه الأسئلة ليست نظرية فحسب بل ترتبط ببنية الدولة وتركيبة المجتمع وتعقيدات التاريخ السياسة.
أول هذه الأسئلة يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة هذا السؤال الجوهري يحتاج إلى اجابة حاسمة تنهي الجدل المستمر منذ العام 1958م تاريخ أول انقلاب عسكري وحتى الأن، فالسودان عرف تاريخًا طويلًا من التدخل العسكري في السياسة حيث لعب الجيش أدوارًا تتجاوز وظيفته المهنية في الدفاع عن الوطن والحفاظ على وحدته وحماية اراضيه وصون حدودها، السؤال هنا ليس فقط كيف نخرج الجيش من السياسة بل كيف نعيد تعريف دوره في إطار دولة مدنية ديمقراطية بحيث يخضع للسلطة المدنية المنتخبة دون أن يشعر بالتهديد أو الإقصاء باعتبار هذا هو وضعه الطبعي في أي دولة حديثة، هذه معادلة دقيقة جدًا لأن أي اختلال فيها قد يؤدي إما إلى عودة الانقلابات أو إلى انهيار مؤسسات الدولة.
السؤال الثاني يرتبط بمفهوم “المدنية” في حد ذاته هل تعني الدولة المدنية فصل الدين عن الدولة بشكل كامل أم تعني حيادية الدولة تجاه الأديان مع ضمان حرية المعتقد؟ ففي مجتمع متنوع مثل المجتمع السوداني يتداخل الدين مع الثقافة والهوية يصبح هذا السؤال حساسًا للغاية، خصوصًا وأن هناك حملة اعلامية واسعة ومضللة عن ماهية ومفهوم الدولة المدنية الديمقراطية مع عدم وجود إطار نظري متوافق عليه ما بين داعميها، والتحدي الاساسي يكمن في القدرة على بناء نموذج للدولة المدنية الديمقراطية يفصل ما بين السلطات ويأسس للتداول السلمي للسلطة ويضمن الحقوق والحريات دون أن يثير مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بأن هويتها مهددة.
أما السؤال الثالث فيدور حول المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية فبعد الحروب والنزاعات المستمرة والتجارب الصعبة والمعقدة التي تكالبت على الشعب السودانية بيما فيها من انقلابات عسكرية وحكومات دكتاتورية طويلة سيطرت على معظم سنين ما بعد الاستقلال لا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة دون معالجة إرث الانتهاكات والصراعات، لكن كيف يمكن تحقيق العدالة دون أن تتحول إلى أداة للانتقام السياسي؟ وكيف نوازن بين المحاسبة والمصالحة وكشف الحقيقة ومعاقبة الجنات؟ هذه الإشكالية تزداد تعقيدًا في ظل تعدد الضحايا وتنوع الانتهاكات واتساع دائرتها من الحروب النزاعات إلى القمع السياسي ضد الخصوم، في ظل غياب رؤية واضحة للعدالة الانتقالية قد يعرقل الانتقال الديمقراطي أو تتفجر صراعات جديدة.
السؤال الرابع يتعلق ببناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية ففي هذا السياق نجد أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق انتخابات وناخبين انما هي منظومة عمل متكاملة من المؤسسات الفاعلة والمتناغمة من الجيش الواحد بعقيدة وطنية ومدرك لوظيفته وحدودها والقضاء المستقل والجهاز الإداري الكفء والأجهزة الرقابية القوية وغيرها من المؤسسات، ففي الوقت الراهن تعاني هذه المؤسسات من ضعف هيكلي وتسييس مزمن وفساد مؤسسي مستفحل، والتحدي الاساسي يتمثل في كيف يمكن إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس مهنية جديدة؟ وكيف نتمكن من تفكيك التمكين من بنيتها ونضمن استقلاليتها عن الصراعات السياسية والحزبية؟ هذا التحدي يتطلب إصلاحًا عميقًا وليس مجرد تغييرات شكلية.
هناك أيضًا سؤال الهوية الوطنية لشعب السودان، السودان بلد متعدد الأعراق واللغات ومتنوع الثقافات، وقد عانى طويلًا من صراعات تم فيها توظيف الهوية والدين والقبيلة والجهة في الصراع مما عقد المشهد، فمشروع الدولة المدنية الديمقراطية يفترض وجود عقد اجتماعي جامع لكن هذا العقد لا يمكن أن يفرض من أعلى بل يجب أن يكون نتاج مشورة شعبية واسعة حتى يتبلور في شكل مجمع عليه من قبل الجميع، فالسؤال هو كيف يمكن صياغة هوية وطنية تستوعب هذا التنوع دون إلغاء خصوصياته؟ وكيف نضمن تمثيلًا عادلًا لكل المكونات في السلطة والثروة؟ هذه الأسئلة جوهرية لبناء الاستقرار في الدولة المدنية الديمقراطية.
السؤال السادس يرتبط بالاقتصاد والتنمية غير المتوازنة، لا يمكن للدولة المدنية الديمقراطية أن تصمد في ظل أزمات اقتصادية خانقة وعدم وجود تنمية متوازنة بين جميع مناطق السودان، في هذا السياق السودان اليوم يواجه تحديات كبيرة متمثلة التضخم والبطالة وضعف الإنتاج والانتاجية واعتماد كلي على الاقتصاد الرعي وعلى موارد محدودة، فكيف يمكن بناء اقتصاد يدعم التحول المدني الديمقراطي؟ وهل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل موارد شحيحة؟ فالعلاقة بين الاقتصاد والسياسة هنا وثيقة لأن الفشل الاقتصادي قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الدولة المدنية الديمقراطية نفسها.
كذلك يبرز سؤال موضوعي أخر حول دور القوى السياسية المدنية، هل تمتلك الأحزاب السودانية القدرة على التحول إلى مؤسسات ديمقراطية حديثة؟ بمعنى الاجابة على سؤوال التمدن والممارسة الديمقراطية داخل بنية الاحزاب نفسها فكثير من هذه الأحزاب تعاني من ضعف التنظيم وغياب البرامج وهيمنة القيادات التقليدية عليها، إذا لم تتجدد هذه القوى وتمارس ديمقراطية حقيقة داخلها فإنها قد تعيد إنتاج نفس الأزمات التي عانى منها السودان في الماضي والحاضر، فالمطلوب هو تطوير ثقافة سياسية جديدة تقوم على التنافس البرامجي والممارسة الديمقراطية لا الولاءات الضيقة.
وأخيرًا، سيل الاسئلة لا ينتهي ولكن دعونا نختم بسؤال مهم جدًا متعق بالإرادة الشعبية ودورها في بناء ادولة المدنية الديمقراطية والمحافظة عليها وضمان استمراريتها، فهل يمتلك المجتمع السوداني الصبر والإصرار اللازمين لإنجاح مشروع طويل ومعقد مثل بناء دولة مدنية ديمقراطية؟ التجارب العالمية تظهر أن الانتقال الديمقراطي ليس مسارًا مستقيمًا، بل مليء بالتعثرات والحفاظ على الزخم الشعبي وبناء وعي جماعي بأهمية الديمقراطية يمثلان شرطًا أساسيًا لنجاح هذا المشروع.
بهذا المعنى فأن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في السودان يواجه أسئلة كبرى كما بينا وأهمها ما يتعلق بمدى قدرة القوى السياسية على بناء توافق وطني ومعالجة دور الجيش في السياسة وتحقيق العدالة الانتقالية وإنقاذ الاقتصاد المنهار، فنجاح هذا المشروع مرهون بقدرة السودانيين على تجاوز الانقسامات التاريخية وتأسيس عقد اجتماعي جديد.
في المحصلة، مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في السودان ليس مجرد شعار يردد ويزن به المقالات والخطب السياسية بل هو مسار مليء بالتحديات والأسئلة الموضوعية والجوهرية المفتوحة والإجابة على هذه الأسئلة تتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا وإرادة سياسية صادقة ورؤية استراتيجية طويلة المدى دون ذلك، سيظل المشروع معلقًا بين الاحلام والطموح والواقع بينما يبقى السودان في دائرة الأزمات المتكررة.





