الصحافة السودانية تحت مقصلة الحرب

في مفارقة تكاد تُحاكي واقع اليوم وصحافة الراهن، يصدر الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، المعزول بفعل الثورة التي أطاحت بالنظام الذي كان يمثل أحد واجهاته، بياناً يختار له عنواناً لافتاً: «تحت مقصلة المليشيا». غير أن المفارقة لا تنتهي عند هذا الحد؛ فالصادق الرزيقي، الرجل الذي لا يزال متمسكاً بكونه رئيس اتحاد الصحفيين من منفاه، يُعدّ في الوقت ذاته أحد المساهمين في تشكّل المليشيا التي تضع الصحافة اليوم تحت مقصلتها، كما يشير البيان ذاته.

الصحافة تحت مقصلة الحرب… تبدو هذه العبارة أقرب إلى حقيقة لا يمكن القفز فوقها في اللحظة الراهنة، كما أن التوصيف البليغ الذي أطلقه عميد الصحافة السودانية الراحل محجوب محمد صالح حين قال إنها «تعيش أسوأ أيامها»، يبدو اليوم أكثر لطفاً إذا ما قورن بواقع صحافة السودان في زمن الحرب.

في مايو من السنة الرابعة للحرب، تواصل الصحافة السودانية حضورها المثقل عبر معركة إعلامية محتدمة بين داعمي معسكر بورتسودان، حيث برزت مواجهة «رشان أوشي وعطاف عبد الوهاب»، في مشهد كشف بوضوح الانحدار الذي بلغته المهنة. لغة الخطاب على وسائط التواصل الاجتماعي عكست، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هذا الانحدار، حتى باتت الصحافة في السودان توصف تهكماً بـ«صحافة بنكك»، في إشارة إلى واقع بات فيه النشر مشروطاً أو موجهاً: «ادفع لنكتب عنك، أو امتناعنا يعني أنك في مواجهة رصاص أقلامنا».

ولعل ما يعزز هذا المشهد ما تم تداوله من تسريبات تتعلق بقروب يجمع صحفيين حول الغالي، في إشارة إلى الأمين العام لمجلس السيادة السوداني، والذي يبدو أنه سعى إلى كسب مساندة إعلامية تُجمّل قبح الأفعال وتغطي على فساد متنامٍ، وهو فساد لم يكن ليتمدد لولا غياب الصحافة ودورها الرقابي.

ويصادف الثالث من مايو من كل عام اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرّته منظمة اليونسكو تأكيداً على الدور الحيوي الذي تضطلع به الصحافة في حياة الشعوب، بوصفها مرآة تعكس قضايا الناس وهمومهم، ومنبراً يعبّر عن تطلعاتهم وآمالهم. ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار: «بناء عالم يسوده السلام»، في وقت نجحت فيه الحرب السودانية في هدم أكثر من 123 عاماً من تاريخ الصحافة السودانية.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» فوز نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة «اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لعام 2026»، تكريماً لدورها في فضح الانتهاكات الجسيمة ضد الصحفيين والإعلاميين وسط الحرب الدائرة في السودان.

وقد لعبت النقابة دوراً محورياً في كشف الانتهاكات التي طالت الصحفيين في مناطق مختلفة من البلاد منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات. وقال المدير العام لليونسكو، خالد العناني، إن أعضاء النقابة أبدوا شجاعة استثنائية وتفانياً راسخاً، مشيراً إلى أن التحديات الجسيمة لم تثنهم عن مواصلة العمل لتقديم معلومات دقيقة ومنقذة للحياة إلى مجتمعاتهم المحلية، في وقت هي بأمسّ الحاجة إليها. وأضاف أن هذا الالتزام يمثل نموذجاً ملهماً وخدمة أساسية للحقيقة والمساءلة والسلام، مؤكداً أن الجائزة تعيد التأكيد على الدور المحوري للصحافة المستقلة في حماية القيم الديمقراطية وإيصال أصوات المدنيين المتأثرين بالحرب.

من جانبه، قال نقيب الصحفيين السودانيين عبد المنعم أبو إدريس إن الجائزة «ليست مجرد اعتراف بالنقابة، بل تكريم لكل الصحفيين السودانيين الذين يواصلون الدفاع عن الحقيقة وحرية الصحافة في ظروف بالغة الصعوبة والخطر»، مضيفاً أن هذا التتويج الدولي قد يسهم في إعادة الاهتمام العالمي بقطاع الإعلام السوداني، ويفتح الباب أمام استعادة المؤسسات التي دمرتها الحرب، ويعزز الدعوات لوقف القتال.

وفي يومهم العالمي، يفتقد الصحفيون السودانيون تلك الأمكنة التي لطالما جمعتهم في قلب الخرطوم المنكوبة بالحرب؛ يفتقدون الصحف التي كانت تطبع يومياً بأكثر من ثلاثين إصداراً، فيما توقفت المطابع، وتعرضت مقار الصحف للنهب الممنهج، ولم تنجُ الإذاعات والتلفزيونات من المصير ذاته. صمتت بعض الأصوات التي كانت تجهر بالحقيقة وتطالب بحياة كريمة للشعب، بينما ظلت الصحافة تقاوم تسلط السلطات بطريقتها الخاصة، ونجحت في ذلك كثيراً.

وفي هذا اليوم، يقبع الصحفي السوداني معمر إبراهيم في سجن تابع لقوات الدعم السريع في نيالا منذ قرابة عام، دون محاكمة أو تهم واضحة، في وضع يرقى إلى الاختطاف والإخفاء القسري. كما التحق الصحفي آدم منان بالقائمة ذاتها بعد اختطافه وإخفائه قسرياً، فيما يواجه مصيراً مجهولاً.

أما الصحفية زمزم خاطر، فتقاسي ظروفاً بالغة الصعوبة والخطر، إذ تتعرض أسرتها في دارفور لمخاطر جدية على يد قوات الدعم السريع، فقط بسبب عملها المهني من خارج البلاد، بينما يظل بعض الصحفيين في عداد المفقودين أو المخفيين قسرياً، وآخرون عرضة للخطر المستمر.

وفي المقابل، لا يبدو أن الواقع في مناطق سيطرة الجيش أفضل حالاً، حيث تغيب الحرية ويجري توظيف الصحافة لخدمة أجندات السلطة، وفي بعض الحالات أجندات تغذي استمرار الحرب وسفك الدماء.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخل المشهد الإعلامي مرحلة انكسار عميق، لم تعد فيها الصحافة مجرد ناقل للخبر، بل تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يدفع فيها الصحفيون أثماناً باهظة إنسانياً ومهنياً.

وتشير الإحصاءات الموثقة إلى أن ما لا يقل عن 34 صحفياً وصحفية فقدوا حياتهم منذ بداية الصراع، بينهم 14 خلال عام 2025 وحده، في دلالة على تصاعد الاستهداف واتساع رقعة المخاطر، وتنوعت أسباب الوفاة بين القصف العشوائي والاستهداف المباشر وظروف الاحتجاز القاسية التي أفضت في بعض الحالات إلى الإهمال الطبي.

وفي سياق موازٍ من الانتهاكات، تم تسجيل نحو 556 حالة موثقة طالت العاملين في المجال الإعلامي، شملت 6 حالات اختفاء قسري ما تزال غامضة المصير، و4 حالات اعتقال طويل الأمد، و9 حالات احتجاز تعسفي، و4 ملاحقات قضائية ذات طابع سياسي أو أمني، و19 حالة تهديد مباشر وخطاب كراهية.

كما سُجلت 8 انتهاكات طالت صحفيين خارج حدود البلاد في دول اللجوء، ما يعكس أن ملاحقة الصحفيين السودانيين تجاوزت الجغرافيا، لتؤكد أن كثيراً منهم لم يغادروا المهنة فقط، بل غادروا بلداً لم يعد يوفر في جغرافيته مساحة لقلم أو ميكروفون. وهي صورة تختصر، بمرارة، الوجه الحقيقي لواقع الصحافة السودانية في يومها العالمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى