حكاية من بيئتي (34) النملة التالتة

بقلم : محمد احمد الفيلابي
دخلتُ المدرسة رقم (كم؟) لا أتذكر. لكن المؤكد أنها أكثر من (130) مدرسة في رحلتي الطويلة مع الأطفال على إمتداد القطر القارة، بل كانت (سوبيري) في جوبا من بين هذه المدارس، قبل أن يقضي سادتنا ببتر هذا العضو من الجسد الذي واصلت السياسات العرجاء إنهاكه حد الحريق. فمنذ العام 1991 لم أفوّت فرصة العمل في أقرب مدرسة يمكنني أن أصل إليها في حال ذهبت لأداء أي مهمة غير العمل المباشر في ذلك البرنامج الذي أسميناه (التواصل البيئي). كنت أشارك المعلمين في عملية اختيار المجموعة التي سأعمل معها، فقد علمتني التجربة تفسير مفردات الشغف في العيون، ذلك لأني حين أدخل الفصول أرمي إليهم بمفاتيح لأبواب الابداع، وأختار أول مجموعة تعبر البوابة الأولى. ومن ثم تشرع لي النوافذ الصغيرة على عقولهم حين نعقد جلستنا الأولى.
ساعات قليلة تُمنح لي في كل مرة، ما يحتم على أن أنتهج منهجاً يمكنني من جعلهم شركاء في إبداع أعمال فنية غناء وأعمالاً مسرحية قصيرة تحدّث عن البيئة. لذا فإن أول ما نقوم به بعد اختيار المجموعة أن ننتقل إلى خارج الفصل، ونجلس في دائرة حتى نتمكن من رؤية بعضنا. نتشارك في الحديث، دونما توجيهات (صارمة) نكسر الحواجز بالعصف الذهني نفتح به الأبواب لخيالهم، فنبدأ بالألغاز المرتبطة بالبيئة، عن النمل، الأفيال، الطيور، الأشجار. نملأ الفناء بالضحك، والركض، والتعليقات التي تتطاير مثل عصافير صغيرة تبحث عن أبعد مكان لتهبط عليه، وتواصل غناءها.
ـــ أستاذ أنا عندي لغز.
ــ أستاذ يعني شنو بيئة؟
ــ أنا يا أستاذ عرفت الحيوان البشيل أكثر من أضعاف وزنو.
الألغاز تعمل كشرارة تقدح الخيال، وتبدأ المعرفة تتشكل في دواخلهم بمحبة. فالعمل الإبداعي مع الأطفال ليس ترفاً، ومع أنه يهدف للترفيه، لكنه أداة معرفية تُسكِّن المعلومة في الذاكرة بما يشبه نزول المطر على أرض عطشى. يقول التربويون أن الطفل يتعلم بالدهشة قبل أن تكون للمعلومة مكانة في خياله. لذا نجد الأطفال لا يستقبلون الحقائق الجافة، لكنهم يفتحون الأبواب حين تأتيهم المعرفة في إطار حكاية، لغز، أغنية، أهزوجة، حركة، رسم، لعبة. فالدهشة التي تصنعها مثل هذه الأدوات كفيلة بفتح الذاكرة طويلة الأمد.
من المدن التي أكن لها محبة خاصة (بورتسودان)، قبل أن تصبح قبلة الناس بعد الحرب. ولعلها من أكثر المدن التي عملت فيها مع مجموعات الأطفال منذ العام 1994. ولا زلت أذكر تلك الزيارة الأولى، وتلك الطفلة المدهشة التي نازلتني إبداعاً حين وضعت إجابة مدهشة للغز النملات الثلاث يمشين في (خط مستقيم)، وقد قالت كل منهن أن ورائي نملة، فكيف يكون الأمر؟ فتتقاطع الأفكار بين أنه ظلها، أو خيالها في الماء، أو أنها تملك مرايا كما السيارات.. والكثير من الأفكار المثيرة للضحك. بينما كانت عينا تلك الطفلة تبرق وهي صامته. وحين قلت إجابتي (النموذجية) أنها مجرد نملة كاذبة، فقالت في ثقة أخافتني، وقطعت سيل الضحكات البريئة:
ــ النملة لا تكذب يا أستاذ.
ــ إذاً ما هي الإجابة لديك؟
ــ النملة التالتة ماشة حركة ورا.
أي أنها كانت تمشي عكس رفيقتيها فترى النملة الثانية خلفها.
ألجمتني تلك الطفلة، وجعلتني أبدل إجابتي في المرات القادمة. وأمنح تلك الطفلة فرصة أن تلج بنا إلى عوالم النمل.
ــ النمل لا يكذب… لكننا لا نفهم لغته. ولكن هناك من مشى على الأرض وسمع النمل وفسّر قوله.. هل تذكرون قصة سيدنا سليمان وقرية النمل؟
تحدثنا يومها عن تلك العلاقات، وعن حياة النمل الاجتماعية وأنواع النمل التي نعرف. بيد أن ذات الطفلة اقترحت أن نشكل عملاً مسرحياً نبرز فيه دور الفراشات في إيصال الرسائل السرية بين الأزهار كناية عن حمل حبوب اللقاح.
كان لابد من تلك البداية لأنها تكسر الحواجز النفسية، وتجعل الأطفال يشعرون بالأمان، حيث مساحة لعب لا يوجد فيها خطأ أو صواب. مشاركة بدون خوف، وتجريب وإطلاق العنان للأفكار ليكتشف الطفل أن صوته مسموع. فيتعزّز لديه الشعور بالقبول، وأن آراءه مسموعة، فتشتعل المخيلات، ويتحول الطفل من متلق إلى صانع معرفة، تأكيداً لما يذهب إليه التربويون حين يقولون “لا تملأ ذاكرة الأطفال بالمعلومات، بل أشعل مخيلاتهم بالأفكار”.
قال لي أحد التربويين أن أكثر ما يقربك من الأطفال ليس معرفتك، بل احترامك لآرائهم. حين يشعر الطفل أن رأيه لا يُستهان به، فإنه يمنحك ثقته، ويمنح العمل روحه. وبهذه الطريقة، لا يصبح الطفل مجرد ممثل يردد كلمات، بل مؤلفًا صغيرًا يشارك في صناعة الفكرة، وتشكيل المشهد، وبناء الأغنية.
تنمية الإبداع الفكري تقتضي استخدام النشاطات العلمية ذات النهايات المفتوحة، والتقصّي والاكتشاف، وإطلاق الأسئلة المساعدة، والألغاز الصورية، والألعاب العلمية، والعصف الذهني. وإرجاء النقد قدر الإمكان لأي فكرة أو رأي إلى ما بعد حالة توليد الأفكار، أي تأجيل إصدار الأحكام على الأفكار وذلك لأننا شعب معروف عنه استعجال النتائج، وعدم المخاطرة بالتفكير الغير مأمون الجانب. وهنا لابد من التأكيد على مبدأ (كم الأفكار يرفع ويزيد من كيفها). وحتى نتمكن من حل أي مشكلة بشكل مبدع علينا الالتزام بـتجنب النقد والانتقاد للأفكار المطروحة مباشرة أيّاً كانت، ولمن كانت، وتأجيل ذلك قدر الامكان إلى الوقت المناسب.
من العادة يصاحبني معلم أو معلمة في أيام عملي مع الأطفال بأهداف مختلفة. إذ أهدف من خلال المنهج لتواصل الفكرة، فيما يكون هدف إدارة المدرسة ضبط الأطفال، الأمر الذي يدخلني كثيراً في مواقف محرجة، فبينما أريد للأطفال التحرر من قيود الفصل، يظل المعلم المصاحب يمارس ذات ما يمارسه من قمع للأفكار. فأحرص أن أثبت له أو لها أنه بالمحبة واحترام الأفكار يمكن تسكين ما تود أن تسكنه فيهم.
البيئة كمفردة غريبة على الأسماع رغم أنها تعني كل ما حول الطفل، والعمل الإبداعي هو الطريقة الوحيدة التي تسمح للطفل أن يلمس المعرفة بمحبة، لأن المعلومة التي لا تُلامس العاطفة تتبخر سريعاً، أما حين يضحك الطفل، أو يتفاجأ، أو يتخيل نفسه نملة أو فراشة أو عصفورة أو قطرة مطر، فإن المعلومة تصبح جزءاً من هويته، تستقرّ في وجدانه قبل عقله وذاكرته، وتصبح البيئة جزءاً من طفولته لا درساً في كتاب.
حين أقول أنني أتعلم من الأطفال يضحك البعض، ويظن آخرون أنني (أفتعل) التواضع، بيد أن الحقيقة أنني تعلمت منهم الكثير الكثير، وقد أبدعنا أعمالاً مشتركة فيها الكثير من المعرفة والحب والاحترام المتبادل.
أما تلك الطفلة فقد علمتني أنه لا حدود للخيال. كما تعلمت منها أنه حين تلمع العيون بذلك البريق فمعنى ذلك أننا على أعتاب تلقي فكرة مدهشة، الأمر الذي ساعدني فيما بعد كثيراً في طوافي بين مجموعات الأطفال في أماكن عديدة. وأدركتُ أن دوري لم يكن أن أملأ رؤوسهم بما أعرف، بل أن أفتح لهم باباً صغيراً ليقولوا ما يعرفونه، وما يشعرون به، وما يتخيلونه. فحين يضحك الطفل، أو يبتكر إجابة غير متوقعة، أو يقترح مشهداً مسرحياً من وحي اللحظة، فإنه يشارك في صناعة معنى للحياة.
في العام (2007) كتبت كتيباً عن تجربة عملي مع الأطفال أسميته (ديل نحن.. إبداعات الأطفال في خدمة قضايا البيئة والمجتمع) نشرته الجمعية السودانية لحماية البيئة مشاركة مع مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة، وشرفني بالتقديم له كل من المرحومين الدكتور معتصم بشير نمر، والأستاذ محجوب شريف، مع الدكتور موسى الخليفة. وها أنا بعد قرابة العشرين عاماً أجدني لم أقل كل ما أود قوله، خاصة بعد أن التقينا بأطفال مزقت الحرب أشرعة خيالاتهم، لتتوه مراكبهم بين الأمواج المتلاطمة بلا بوصلات.
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي.





