عقار في جيبوتي.. لقاءات المسكنات في بحر من الأزمات

أفق جديد
لم يكن غياب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن احتفال تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلا وبالتالي لقاء رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كان في حد ذاته الرسالة الأهم في الاجتماع.
فالدعوة التي وُجهت أصلًا إلى البرهان انتهت بحضور نائبه في مجلس السيادة مالك عقار للقاء آبي أحمد، بعد أيام فقط من أخطر تصعيد سياسي وأمني بين الخرطوم وأديس أبابا منذ اندلاع الحرب السودانية.
الخرطوم التي اتهمت إثيوبيا علناً بالوقوف خلف الهجمات بالمسيرات على مواقع استراتيجية في العاصمة والنيل الأبيض، لم تكن مستعدة لمنح آبي أحمد صورة مصافحة كاملة مع البرهان في هذا التوقيت. وفي المقابل، لم تكن راغبة أيضًا في الوصول إلى نقطة القطيعة. لذلك جاء الدفع بعقار باعتباره صيغة وسطى: إبقاء باب التواصل مفتوحًا، مع تخفيض السقف السياسي للقاء إلى الحد الأدنى الممكن.
لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي، كان لقاء جيبوتي في حقيقته محاولة إسعاف عاجلة لعلاقة تتآكل بسرعة تحت ضغط الحرب السودانية، وصراعات الاستخبارات، وحسابات سد النهضة، والتنافس الإقليمي في القرن الإفريقي.
لقاء حذر
انعقد اللقاء في جيبوتي بحضور الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، الذي بدا مدركًا أن مهمة بلاده لا تتعلق بصناعة سلام شامل بين الخرطوم وأديس أبابا، بقدر ما تتعلق بمنع انفجار مواجهة مفتوحة بين دولتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في توازنات القرن الإفريقي.
وبحسب التسريبات، فإن الاجتماع بدأ متوترًا، وسط تبادل مباشر للاتهامات، قبل أن ينتهي إلى تفاهمات أولية غير معلنة، يُرجح أنها تركز على وقف التصعيد وفتح قنوات تواصل أمنية بين البلدين.
تصعيد خطير
التدهور الحالي في العلاقات تجاوز حدود الخلافات التقليدية بين السودان وإثيوبيا. فالهجمات بالطائرات المسيّرة التي ضربت مواقع حيوية داخل السودان دفعت الخرطوم إلى الاقتناع بأن هناك دورًا إقليميًا داعمًا لـقوات الدعم السريع.
السودان يستند، وفق دوائر قريبة من الملف، إلى تقارير إعلامية دولية ومعلومات استخبارية حصل عليها عبر تعاون مع أجهزة إقليمية، بينها تركيا، تشير إلى وجود صلات وتحركات مرتبطة بإثيوبيا.
ورغم أن أديس أبابا لم ترد رسميًا بصورة مباشرة على هذه الاتهامات، إلا أن دوائرها السياسية تعتبر أن الخرطوم تحاول تصدير أزمتها الداخلية وإيجاد خصم خارجي لتحميله مسؤولية التدهور العسكري والأمني.

حرب الظل
لكن الأزمة الحالية ليست وليدة الحرب السودانية وحدها، بل هي نتيجة تراكم طويل من الشكوك والصراعات غير المعلنة.
إثيوبيا تتهم السودان بإدارة شبكة اتصالات مع فصائل إثيوبية معارضة، وتعتقد أن جهاز المخابرات السوداني يعمل على تنسيق أنشطة مجموعات مسلحة وسياسية مناوئة لأديس أبابا بهدف استنزافها داخليًا.
هذه الحساسية الإثيوبية تضاعفت بعد اتفاق بريتوريا، إذ لا تزال الدولة الإثيوبية تعاني من هشاشة داخلية وتوترات قومية تجعلها تنظر بقلق إلى أي تحرك إقليمي يمكن أن يعيد إشعال جبهاتها الداخلية.
في المقابل، ترى الخرطوم أن إثيوبيا تستغل انشغال السودان بحربه الداخلية لتوسيع نفوذها الأمني والإقليمي، ومحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
عقدة إريتريا
من أخطر الملفات غير المعلنة في الأزمة الحالية التقارب السوداني مع إريتريا.
أديس أبابا تنظر بعين الريبة إلى أي تنسيق بين الخرطوم وأسمرة، لأن العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا نفسها دخلت مرحلة توتر مكتوم بعد انتهاء حرب تيغراي. وبالنسبة للإثيوبيين، فإن أي محور سوداني إريتري محتمل يمثل تهديدًا جيوسياسيًا مباشرًا، خصوصًا مع موقع السودان على البحر الأحمر وتشابك ملفات الحدود والأمن الإقليمي.
ظل السد
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن حضور مصر في الحسابات الإثيوبية.
فأديس أبابا تعتقد أن الخرطوم، رغم ظروفها الحالية، لا تزال أقرب إلى الموقف المصري في ملف سد النهضة، وأن السودان يتحرك أحيانًا ضمن الرؤية الإقليمية للقاهرة في ما يتعلق بتوازنات المياه والنفوذ في حوض النيل.
في المقابل، يشعر السودان بأن إثيوبيا تحاول استثمار ضعفه الحالي لفرض معادلات جديدة في المنطقة، سواء في ملف السد أو الحدود أو النفوذ داخل القرن الإفريقي.
وساطة محدودة
وسط هذا التشابك، تبدو الوساطة الجيبوتية أقرب إلى محاولة “تبريد” للأزمة أكثر من كونها مشروع تسوية حقيقية.
جيبوتي تدرك أن الخلاف بين السودان وإثيوبيا ليس خلافًا عابرًا، بل صراع يرتبط بإعادة تشكيل النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ولذلك فإن الهدف الواقعي للوساطة حاليًا يتمثل في منع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو حرب بالوكالة، وخلق مساحة تواصل أمنية تسمح بإدارة التوتر بدل انفجاره.

توازن هش
أهمية لقاء جيبوتي لا تكمن في نتائجه المعلنة، بل في كونه كشف حجم الأزمة الحقيقي بين الخرطوم وأديس أبابا.
فالبلدان يقتربان من مرحلة يفقد فيها الشك المتبادل أي حدود سياسية أو أمنية، في منطقة أصلًا تعاني من هشاشة شديدة وتنافس إقليمي معقد.
ولهذا، فإن أي تهدئة حالية ستظل مؤقتة ما لم تُعالج جذور الأزمة الكبرى: الحرب في السودان، والهشاشة الإثيوبية الداخلية، وصراع النفوذ الإقليمي، وأزمة سد النهضة، والتحولات الجيوسياسية المتسارعة في القرن الإفريقي.
حتى ذلك الحين، ستبقى العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا معلقة بين خيارين: التهدئة القلقة، أو الانفجار المؤجل.




