في الإشادة بعودة صحيفة “صوت الأمة”… والدعوة لعودة الصحافة الوطنية والعقل السوداني

بقلم: طارق فرح

في زمنٍ تتكاثر فيه أصوات البنادق، وتضيق فيه مساحات العقل والحوار، يصبح صدور صحيفة جديدة فعل مقاومةٍ وطنية لا يقل أهمية عن أي جهد يُبذل من أجل بقاء الدولة والمجتمع. ومن هنا، فإن صدور العدد الأول من صحيفة “صوت الأمة” لـ حزب الأمة القومي، يُعد خطوة تستحق التقدير والإشادة، ليس فقط لأنها إعادة لصوتٍ سياسي وإعلامي عريق، بل لأنها أيضاً إعلانٌ واضح بأن الكلمة الحرة ما تزال قادرة على الحياة وسط الركام.
وقد جاء العدد الأول بروحٍ مسؤولة، ورؤيةٍ سياسيةٍ واضحة، ومشاركةٍ لافتة من كوكبةٍ من الكُتّاب وأصحاب المواقف الوطنية المعروفة، الذين ظلوا، رغم العواصف، منحازين إلى قضايا الشعب السوداني، ومدافعين عن الدولة المدنية، والحوار، والتماسك الوطني، وهو ما منح الصحيفة منذ بدايتها حضوراً يبعث على التفاؤل بأن الكلمة ما تزال قادرة على أداء دورها التاريخي.
وقد حملت كلمة رئيس مجلس الإدارة، الأستاذ الواثق البرير، جملةً من الثوابت الأخلاقية والمهنية التي تؤكد أن عودة الصحيفة ليست مجرد استئنافٍ للنشر، بل استعادةٌ لرسالةٍ وطنيةٍ راسخة؛ قائمة على الموضوعية، واحترام عقل القارئ، والالتزام الصارم بمعايير التحقق والتدقيق، وإنتاج صحافةٍ جادة تتجاوز الإثارة العابرة إلى التحليل المسؤول والخطاب البنّاء، بما يعزز الوعي العام ويُسهم في ترميم المجال الوطني الذي أرهقته الحرب والاستقطابات.
لقد أعادت الكلمة التذكير بأن “صوت الأمة” لم تُؤسس لتكون منبراً دعائياً عابراً، بل مشروعاً صحفياً ارتبط منذ نشأته بتاريخ السودان السياسي والفكري، وظل عبر مسيرته الطويلة منحازاً لقضايا الحرية، والديمقراطية، والعدالة، والتعبير المسؤول عن هموم الناس وآمالهم، مع تمسكٍ واضح بالاستقلالية المهنية التي تجعل من الصحافة سلطة وعي لا أداة اصطفاف.
ولعل ما يستحق التأكيد اليوم، أن الصحافة الحزبية السودانية لم تكن يوماً مجرد أدواتٍ دعائية للأحزاب، بل كانت جزءاً أصيلاً من تشكيل الوعي السوداني، وصناعة الرأي العام، وإثراء الحياة الفكرية والسياسية. فقد لعبت تلك الصحف أدواراً مهمة في تثقيف الشارع السوداني، وفتح مساحات النقاش، والدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة، رغم ما تعرضت له تاريخياً من تضييقٍ ومصادرةٍ وقيودٍ مشددة، خاصةً خلال فترات الحكم العسكري التي كثيراً ما ضاقت بالرأي الآخر والكلمة الحرة.
فصحيفة “الميدان” التابعة لـ الحزب الشيوعي السوداني، مثّلت لعقود منبراً فكرياً وسياسياً رصيناً ناقش قضايا العدالة الاجتماعية والحريات العامة وأسهم بفاعلية في إثراء النقاش الوطني.
كما شكّلت صحيفة “الهدف” التابعة لـ حزب البعث العربي الاشتراكي فضاءً قومياً وفكرياً ناقش قضايا الهوية والتحولات السياسية والفكر العربي، وأسهمت في رفد الساحة السودانية برؤى فكرية عميقة.
أما “صوت الأمة”، فقد ارتبطت تاريخياً بـ حزب الأمة القومي وكيان الأنصار، وكانت منبراً يعكس مواقف الحزب الوطنية، ويدافع عن الديمقراطية والتعددية والحوار السياسي المسؤول.
وكذلك صحيفة “الاتحادي” التابعة لـ الحزب الاتحادي الديمقراطي، التي لعبت دوراً مهماً في التعبير عن المدرسة الاتحادية الوطنية وربطت بين السياسة والثقافة والعمل الجماهيري في مراحل مفصلية من تاريخ السودان.
كما برزت صحيفة “أخبار الوطن” المرتبطة بـ حزب المؤتمر السوداني، والتي مثّلت تجربةً صحفيةً حديثة عبّرت عن خطابٍ مدني إصلاحي، وفتحت مساحات جادة للنقاش حول الديمقراطية والتحول السياسي والدولة الحديثة.
إن عودة “صوت الأمة” اليوم يجب ألّا تكون حدثاً معزولاً، بل بدايةً لعودة الحياة إلى الصحافة السياسية السودانية بأكملها. ومن الواجب أن تُبادر بقية الأحزاب والقوى السياسية إلى إعادة إصدار صحفها ومنابرها الفكرية التي توقفت بسبب الحرب أو الظروف السياسية والاقتصادية، لأن البلاد اليوم في أمسّ الحاجة إلى الكلمة الواعية، والرأي المسؤول، والمنابر التي تُعيد بناء العقل السوداني وتحميه من خطاب الكراهية والانقسام.
والأهم من ذلك أن تكون هذه العودة محكومةً بذات الثوابت التي بشّرت بها “صوت الأمة”: الصدق المهني، واحترام الحقيقة، والالتزام بالتحقق، والانحياز لقضايا الناس، ورفض الابتذال الإعلامي، وصناعة خطابٍ وطني جامع يعلو فوق الاستقطاب الحاد.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى تسوياتٍ سياسية، بل يحتاج إلى مشروعٍ وطني يعيد ترميم الوعي العام، ويُعلي قيمة الحوار، ويمنح الناس أملاً في المستقبل. كما أن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي من الأحزاب والقوى السياسية كافة أن تُسخّر صحافتها ومنابرها للدعوة إلى وقف الحرب، وتعزيز التماسك الوطني، والدفع نحو الجمع السوداني الكبير، وتغليب صوت الوطن على أصوات الاصطفاف والانقسام.
فالصحافة، حين تكون مسؤولة وصادقة، لا تُعبّر فقط عن الأحزاب، بل تُعبّر عن ضمير الشعوب. والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى عودة ذلك الضمير؛ لأن عودة الكلمة الحرة ليست مجرد عودة صحيفة، بل عودة وطنٍ إلى صوته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى