المبدعون تحت وطأة الحرب الخروج من باب الدخول

الناقد عز الدين ميرغني: أدب الحرب كنا نقرأ عنه ولكن عاشه المرء حقيقة
المصور عباس عزت: لم أتخيل أن تصبح حياتي حقيبة أحملها على ظهري
الشاعر عبد القادر الكتيابي: ليس من الذين فاجأتهم الحرب كنت موقنا بأنها واقعة
الشاعر سامي القريش: أيقظتني زوجتي مفزوعة “قوم الحرب في السودان”
محمد إسماعيل – أفق جديد
شهد السودان حربًا اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتسببت في مقتل الآلاف ونزوح الملايين داخليًا وخارجيًا، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية للبلاد، إضافة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، بما في ذلك نقص الغذاء والماء، وتدمير الخدمات الصحية والتعليمية، مما زاد من معاناة المواطنين.
.في هذا الاستطلاع توجهنا إلى عدد من المبدعين الذين عاشوا أو عايشوا تلك اللحظات الأولى من الحرب ليكتبوا لـ”أفق جديد” شهاداتهم.. وأن يقدموا إجاباتهم عن السؤال:
كيف أثرت الحرب عليك كمبدع؟
كائن وسط الخطر :
يقول الناقد عز الدين ميرغني: “مكثت طيلة أيام الحرب في منزلنا ولم أغادره. كنت أخاف على كتبي أولًا، وثانيًا أنا كائن منزلي لا أحب أن أغادر مكاني، حيث الطقوس اليومية المهمة بالنسبة لمن يمتهن الكتابة، والقراءات اليومية، والأهم الكتابة التي تنسى بها همومك وتتخلص بها من الحمولة الزائدة. عشت أيامًا صعبة بحيث يجب أن تقنع الغزاة بأنك لا تحرس كنزًا ولا تخبئ أموالًا، وإنك لست من رجال المخابرات .
بعضهم أو أغلبهم لا يجيد القراءة والكتابة، وعندما يجد الكتب المكدسة يستغرب ماذا يفعل بها هذا الكائن الذي يعيش وسط الخطر، بين صوت الدانات وأزيز الطائرات وتهديد من يعتقد بأنك غني وتخبئ الكثير.

يمضي قائلًا: الوحدة قاتلة، إذ لا يوجد جيران ولا فرد من حولك يمكن أن ينقذك ساعة الخطر ليس من الغزاة وإنما من المرض المفاجئ والحميات المنتشرة. أكيد هي فترة عصيبة والموت ممكن أن يأتيك في كل لحظة وكل حين. بحيث مباح لهم دخول المنازل ونهبها وقتل من فيها بكل برود. الحواس تستيقظ خاصة عند من يمتهنون الكتابة، فقد تهتم بأشيائك الصغيرة وتسعدك خاصة إذا وجدت كتابًا لم تقرأه بعد. أو فكرة لقصة أو رواية كانت تدور في ذهنك منذ مدة. ويقظة الحواس يمكن أن تنبه خيالك النائم. شخصيًا كتبت الكثير والمثير رغم الخطر المحدق. ولعل انتظار الموت يوقظ في الكاتب الخيال النائم أو الأفكار المؤجلة، ثم الفراغ الإجباري الذي لم يكن متاحًا من قبل .
أضاف: لعل فترة الحرب رغم صعوبتها أتاحت لي اكتشاف الجوانب البهيمية والحيوانية عند البعض، وبعض الجوانب الإنسانية المخفية عند البعض الآخر. ولعل هذه الجوانب تصلح لأن تكون مواضيع قيمة للقصة والرواية. أدب الحروب كنا نقرأ عنه ولكن عاشه المرء حقيقة، حيث التوتر وتوقع الموت في كل لحظة وحيث الحقد القاتل تراه حقيقة أمامك. ورغم الخوف والتوتر فالقلم ينساب لوحده فالنص يكتبك قبل أن تكتبه. وهي كتابات تمتاز بالصدق لأنها ليست مفتعلة وليست ذات غرض. وهي سيرة ذاتية حقيقية .
صارت حياتي حقيبة على ظهري :
أما عباس عزت، الصحافي والمصور الفوتوغرافي فيقول من معسكر( كرياندوقو) للاجئين في أوغندا: أحمل معي السودان في قلبي، وأحاول أن أروي مآسيه وأحلامه عبر القصص والروايات.

كتبت سلاسل مثل (المنسي) و(جبل الجن) و(رشاد عروس الجبال الشرقية)، أعمل على تحويلها إلى روايات كاملة، إلى جانب قصص عن النزوح مثل (حطام امرأة من كرياندوقو). أؤمن أن الكتابة ليست ترفًا، بل شهادة على ما عشناه، ورسالة أمل لأجيال قادمة تبحث عن وطن آمن وسلام دائم.
ويستطرد: من معسكر كرياندوقو أوثق الحكايات المنسية عن الحرب والنزوح، وأبحث بالكلمة عن وطنٍ وسلام. لم يكن في نيتي الرحيل، ولم أتخيل يومًا أن تُصبِح حياتي مجرّد حقيبة على ظهري. لكن الحرب حين اندلعت، خربت كل شيء، حتى ظننا – بسذاجة الأمل السوداني – أنها لن تطول أكثر من “يومين تلاتة”. وهكذا وجدت نفسي أغادر الخرطوم إلى مدني، أبحث عن ملاذٍ مؤقت.
مضيفا: لكن “المؤقت” طال. وحين ضاق بي الحال، حملت قدري إلى سنار، ثم القضارف، وهناك وجدت الجوع ينتظرني قبل أن أصل. لا منظمة مدّت يدها، ولا جهة مسحت دمعة واحدة. لم يكن أمامي سوى الترحال إلى القرى جنوب القضارف، أحمل المنجل بيد، والكرامة باليد الأخرى، كما يفعل (الجنقو) الذين لا يملكون شيئًا سوى أجسادهم. استطعت أن أستأجر قطعة أرض صغيرة، نصف ساعة فقط، حرثتها بيدي، وزرعتها وحدي، وسهرت على تنظيفها من الأعشاب الطفيلية، دون معين. كنت أقاتل وحدي في صمت الأرض، حتى حصدت محصول الذرة الأول.
بعته بثمن بخس، لا يكاد يبل ريقًا. وبعد أن انتهى الموسم، عدت إلى القضارف، مفلسًا من جديد. طرقت أبواب النازحين والمنظمات، فوجدت أبوابًا مفتوحة ووعودًا مغلقة. ضاقت بي الأرض، حتى فكرت: لماذا لا أموت هناك، في شرق النيل، بطلق ناري نظيف، بدلًا من الموت البطيء بالجوع هنا؟
وتابع عباس قائلًا: قررت الرحيل إلى حيث الموت أسرع. ركبت حافلة من القضارف، وما إن اقتربنا من مدني، حتى طلب السائق منّا النزول. “ما بقدر أدخل”، قالها وهو يرمقنا بقلق. قوات الدعم السريع كانت قد سيطرت على مدني، والخوف يسكن الطرقات. ترجلت وسرت راجلاً، على أمل أن أصل إلى ارتكاز حنتوب.
اقتربت، والقلب يخفق كأنه يدق الباب الأخير. وحين وصلت، سألني قائد الارتكاز عن وجهي ومقصدي. أجبته بهدوء: “راجع بيتي بشرق النيل”. ابتسم وقال: “مرحب بيك، لكن مبيت الليلة هنا، كل البيوت فاضية.. الناس فرت”.
هكذا قضيت ليلتي الأولى بين الخراب، والرائحة الثقيلة للموت المتعفن في الطرقات، والظلام الذي لا يطمئن. وفي اليوم التالي واصلت رحلتي، سيرًا على الأقدام، من كبري حنتوب إلى فداسي، مرورًا بالرصاص، وبالعطش، وبالوجع في الركبتين. وحين وصلت، لم أجد سوى حافلة متهالكة تذهب إلى الحصاحيصا.
في الحصاحيصا، بتُ في بيت خالٍ، أنقذني شاب لا أعرفه، لكنه كأنما أوصاه الله بي. وفي الصباح، حاولت إكمال طريقي إلى الحاج يوسف، ولكن الأجرة كانت أغلى من قلبي. خمس جنيهات فقط في جيبي، والسايق يريد 25. تشاجرنا. ولولا قائد الارتكاز الذي أنصفني، لكنت نمت في الموقف جائعًا.
ووصلت أخيرًا إلى بيتي بشرق النيل، ولم أجد هناك سوى السيطرة الكاملة للدعم السريع. حاولت البدء من جديد. غلّاية كهربائية، طعمية، سندوتشات، ابتسامة زبون… وبدأت الحياة تدب في قلبي من جديد. لكن سرعان ما قُطعت الكهرباء والماء والاتصالات.. وظل هذا الحال أربعة أشهر كاملة، كأنها أربع سنوات من العتمة.
هربت مرة أخرى، لكن هذه المرة ومعي “عدة الطعمية” وخبرة الطريق. عبرت طريقًا وعرًا من شرق النيل إلى شندي، ثم عطبرة، فهيا، كسلا، وأخيرًا القضارف. هناك عدت إلى الشارع، أطهو الطعمية وأبيعها للعابرين، أجمع قرشًا فوق قرش، حتى جددت جوازي، وخططت للخروج النهائي.
لكن ما دفعني للمغادرة لم يكن الجوع وحده، بل الخوف. خيانة الأصدقاء .
لم تفاجئني الحرب:
وفي إفادته لـ”أفق جديد” يقول الشاعر عبد القادر الكتيابي: لست من الذين فاجأتهم هذه الحرب، فلقد كنت موقناً بأنها واقعة بغتةً يوماً ما، تماماً بمعنی البغتة الموعودة في شأن قيام الساعة وقدر الموت، أعلم أنها ستقع ولكن لا أعلم متی وكيف .
وذلك بحكم اهتمامي القديم المتجدد بالدراسات السودانية خاصة القرن الإفريقي والصحراء الغربية وهو اهتمام قديم متجدد عندي .

أعرف أن بذور الفتنة التي بثتها اتفاقية سايكس بيكو في حدودنا القطرية التي كانت تحدها قبل انفصال الجنوب تسع دول، معروفٌ أن أهدافها لم تكن لتخفیٰ علی الباحثين في قضايا تركيبتنا القومية، فالاتفاقية اعتمدت قسمة كل قبيلة واحدة بين أكثر من قطرين علی مدار الحدود، ومن الشواهد المنذرة بوقوع هذه الفتنة الراهنة كذلك أن حكوماتنا المتعاقبة منذ الاستقلال بما فيها استخباراتنا النظامية – لم تتحسب لهذا الانفجار مسبقاً وإنما ظلت قصيرة النظر منكفئة علی أنظمتها المركزية بل لم تتحسب للقضايا الإقليمية حولها والصراع العالمي علی الموارد الطبيعية .
وزاد بالقول: لم يخطر لي أن تتم علی هذا النحو الغريب فالحرب المتوقعة خرجت عن المتعارف في كافة الشرائع والقوانين والمعتاد في الحروب التاريخية، حيث باشرت الطعن بخنجر ذي سنانين أعملت أحدهما في صدور المدنيين بحقد قَبَليٍّ جعل منها (حرابة لإفساد الحرث والنسل) وأعملت السنان الآخر تزامنياً في معسكرات الجيش القومي وبنية الدولة، كما مارست التخريب المنظم بغرض طمس الهوية السودانية مستهدفة المستشفيات والمدارس ودور الإعلام والمتاحف ومراكز الأبحاث ودور التعليم وسجلات الأراضي والمحاكم، بل وشرعت في مخطط التهجير وإحلال سكان من حواضن المليشيا في بيوت ودواوين الدولة .
بذلك اتضح مشروع المهاجمين وافتضح أمر داعميهم ونواياهم وأغراضهم. هذه الكارثة لا تزال الآن قائمة في بعض الولايات الغربية.
وقال: أنا من معارضي حكومة ما يسمى بالحركة الإسلامية لقلة فقه عرابيها بما فيهم الترابي وضد هيمنة حزب واحد أياً كان في واقعنا الإثني والاقتصادي المعقد هذا، فأحزابنا الراهنة دون فرز كانت إرثاً إما طائفياً أسرياً أو مستوردات غير متوائمة مع حقيقة تراكيب مجتمعنا الإفريقي البدوي البعيد عن فلسفة المؤسسية .
حرب القضاء على المدنيين :
يروي الشاعر سامي القريش: في صبيحة الخامس عشر من أبريل كنت نائمًا في بيتي بالقاهرة فيصل، أيقظتني زوجتي مفزوعة ملتاعة:(قوم قوم الحرب الحرب في السودان)، قلت لها إن كانت الحرب قد اندلعت فعلًا فإن هذا أمر متوقع، فكل المؤشرات على ذلك كانت كثيرة ومنتشرة على الميديا، خصوصًا بيانات متبادلة من الجيش والدعم السريع، وفيديوهات أثارت التايم لاين مصدرها منسوبو الحركة الإسلامية يتوعدون بإفشال الاتفاق الإطاري، ويتوعدون الجميع بحرب لا تبقي ولا تذر، وهو ما حدث.

وحسب رأيي فإنها كانت عبارة عن فتنة لوضع الجميع أمام الأمر الواقع، وهو واقع الحرب خصوصًا بعد مباحثات وخطوات للتهدئة واجتماعات واتصالات.. إلخ .. وأضاف: تناولت تلفوني وكتبت على صفحة الفيسبوك كأول شخص يذكرها ذلك الصباح: (لا للحرب) ثم في بوستات أخر طالبت الطرفين بالخروج من المدن إن كان لا مفر من القتال والصحراء واسعة في السودان فليتقاتلوا ما شاء لهم القتال، فالمدنيون لا ناقة لهم ولا جمل في هكذا حرب، ولكن مع مرور الأيام اكتشفت أنها حرب صممت وخصصت وحسب للقضاء على المدنيين وتصفية الثورة والانتقام من الشعب، والطريقة لذلك إحداث الفتنة بين الجيش والدعم السريع لتدور رحى الحرب داخل المدن تحديدًا وهم يعلمون أن الطرفين سيتخذون المدنيين دروعا بشرية للحماية القتالية أو للغطاء السياسي.. تابعت بعد ذلك أمرين يتطاول زمانهما أحدهما ينحو نحو الضعف والآخر نحو الاشتداد: الأول هو محاولات الوساطة والتفاوض لإنهاء الحرب والآخر هو المعاناة التي اشتد أوارها وألمها على الناس قتلًا وتشريدًا وشفشفة، ولم نسلم نحن من تأثيرات هذه الحرب فقد تأثرنا بها وأصبحت المعيشة تزداد ضنكًا كل يوم وأهلنا في السودان يواجهون الحمى والضنك..
واختتم حديثه بنص شعري
:
سأكتب يومًا عن الحرب
حينما
أوسد رأسي طين البلاد الحميم
أحرر في القبر خطابا
وأنا جالس كشهيد على منضدة ..
وأبواب ذاك المسا موصدة
إلى الله (قاضي الحوائج)
إني خصيم الفواجع والموت
هذا خصيمي – الموت – حي هنالك ..
هنالك شئ من الوحشة الظالمة
يرتب صيف الحكايات
واللغة الحزن
أحذية الورد
أشرعة الأمهات اللواتي يعدن من الشوق
ببرد اللقاء
وقلب حزين ..
هنا جدلية الماء والطين تنتج رسما غريبا
ليس تألفه الأمسيات
عابرون على مدن بائسة
شارعا شارعا
يطأون بالموت
ماتركته الشوارع
تحمله الريح
من الحب
والامنيات
رأيت الصحاب على مشهد الصمت وبعض الدموع
يمضون الى الغيب
كيف تكون ليال بلا ذاكرة
بلا أمسيات ..
تبخرت الأحلام :
يرى المخرج المسرحي ماهر حسن سيد أنه منذ أن انطلقت صرخات جيل ثورة ديسمبر فى الطرقات بهتافهم حرية سلام وعدالة كانت السماء تنذر بأن القادم من خلف ذلك الهتاف غريب الأطوار لم نشهده من قبل. فنحن الذين هتفنا ضد عسكرة نميري وكنا وقود ثورة مارس وأبريل 1985 (من أين أتى هؤلاء) أعنى هذا الجيل الديسميري؟ كنت أرى صبية وصبيات فى عمر الزهور تسبق أرواحهم أرجلهم النحيفة جريًا نحو هدف سامٍ ورؤية لمستقبل أافضل لهم وللأجيال القادمة. أنجزوا ثورة بالهتاف السلمى وصنعوا اعتصاماً أدهش العالم، وسجله التاريخ بأحرف من نور. هذا النصر لم يعجب من احتكر السلطة والثروة، فعمل على تشويه هذا التاريخ بكل الأسلحة فكان له ما يريد.
وأردف بالقول: تبخرت الأحلام وتحول الهتاف إلى بكاء وحسرة على مشهد كان يمكن أن يكون فريداً معنى وفكراً ونخلاً لم يدب اليأس يوماً افئدة من وقف عارياً أمام رصاص العسكر، ظلوا يقاومون وينحتون الصخر فالغاية نبيلة واليد قصيرة.
وبين أدخنة الغاز المسيل للدموع ظهرت رصاصات حرب ومدافع كانت نائمة وعيناها مفتوحتان والدهشة اكتملت فى وجه كل من استيقظ فى ذلك الصباح بعد أن قضى ليله يجمع ويطرح فيما تبقى من أيام الشهر الفضيل. فالعيد على الأبواب ولابد من اكتمال رمضان بفرحة العيد وبدلًا من ذلك أصبح يفكر في الخروج من جحيم أصوات المدافع والدانات وطائرات تجعل أسقف المنازل تهتز وترتجف خوفاً ورعباً. إنها الحرب وهي جادة في معناها ومبتغاها علينا لملمة أطرافنا والهروب الذي لا مفر منه فالقادم قد يكون أسوأ. جمعنا القليل من الأزياء وودعنا منازلنا التي تحتضن ذكرياتنا وكل تفاصيلنا الحميمة. واتجهنا صوب مجهول معلوم إلى دار أجدادنا التي أسقطناها من ذاكرتنا فى شوارع الخرطوم ولياليها البهية.
ضاقت الأنفس الوادعة المطمئنة، امتلأت الباصات بالفارين من جحيم أصبح مشاهدته بالعين وليس كمن سمع، الكل يبحث عن ملجأ آمن. فالنجاة بالبدن أعلى غاية.
جاءت العائلة صغارها وكبارها إلى أرض أجدادهم إلى منزل مساحته ضعف مساحة منازلهم مجتمعة فى تلك العاصمة الخراب. كانت والدتي عليها الرحمة والمغفرة تحرص على أن يكون لها منزلاً في مكان نشأتها ومرتع صباها وفيها شهدت زواجها ومولد ابنها الأول أنا.
قبل الحرب بحوالى عامين فقدت زوجتي وبنتي الوحيدة فى حادث سير كدت أن أفقد روحي معهم لولا عناية الخالق الرازق. اكتسى الحزن ملامح نفسي إنها أعوام للحزن والبكاء ,
جاءت الحرب لنتعلم سوياً ان هذا المكان يمكن أن يحترق في لحظة، وكان علينا أن نفهم أن الذين كانوا يسيرون فى شوارع العاصمة بواسطة تلك العربات المدرعة، إن تلك التي على كتوفهم ليست أقلام إنما هي أسلحة قاتلة يمكن أن تستخدم في أي لحظة ولأتفه الأسباب.





