(8 مارس) التحية والتكريم لمن تجرّعن علقم الحرب، وقدّمن مداد الصبر:حنان إدريس وسيدة إبراهيم

ناهد إدريس | صحافية ناشطة حقوقية

في هذا اليوم، التحية للأمهات العظيمات اللاتي قدّمن لنا دروسًا في الصبر والتحمّل، وأثبتن لنا أن النساء هنّ حمّالات جبال الهموم، محتسباتٍ صابرات. في هذا المقام، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يحضرني وجه والدة الشهيدة الصغيرة الشابة، ضحية هذه الحرب اللعينة، ماريا خاطر، الطالبة ذات الوجه الصبوح والضحكة الحاضرة، التي دفعت حياتها ثمن لحظات كانت فقط تود فيها إرسال الطمأنينة لأسرتها وأخواتها بالخارج.

ذهبت إلى جهاز الستارلينك لتجديد الشبكة، فصارت هدفًا لسهام الضباع والوحوش البشرية. ثم تمت مداهمة منزلها، وفُجعت والدتها، أمّنا سيدة إبراهيم محمد علم الدين، بتهديدٍ ووعيد تحت السلاح بأن هذه الفتاة واشية. ولم تهدأ نفس القتلة إلا بعد أن اقتادوها قسرًا أمام والدتها. عادت بعد أيام وهي بين الحياة والموت، لتفارق الحياة أمام والدتها وأهلها.

أي وجعٍ هذا؟ كيف لأمهاتنا أن يتحمّلن؟

لكنها قدرة الله وعظمتهن، ليكنّ قدوةً لنا في الصبر والجلَد.

منذ أن قابلت والدة ماريا، وأنا على يقين أن هذه الأم من أعظم الأمهات السودانيات. كيف لا، وهي تتجلّد وتبتسم، وخلف ابتسامتها ترى وجعًا يمزّق الذاكرة. في خلوتها تسترجع تلك اللحظات الفاجعة: الانتهاك، الخوف، التهديد، وسلب روح ابنتها. ثم لم تمضِ أشهر حتى أُصيب نجلها بسقوط دانة عليه، ولا يزال يتلقى العلاج.

أي عظمة هذه؟ أي صبر هذا؟

كلما رأيتها عجزت عن النظر إليها. أنا لا أتمالك نفسي أمام هذه العظمة، ولا أمام تلك الابتسامة التي تخفي شلالًا من الوجع.

أما المخرجة حنان إدريس، أم وضّاح، فهي ومئات الأمهات من ضحايا فقدان الأبناء، زرع وحصاد أعمارهن بقسوة تعجز عنها الجبال. فقدت حنان وضّاح بعد أن تعرّض لتعذيبٍ وحشي، لا لشيء إلا لأنه أراد حماية شقيقته من بطش وانتهاك عساكر الدعم السريع. وكان الثمن أن كُسرت ضلوعه ويداه.

تلك مأساة تحملتها حنان إدريس بتجلّد وحكمة، لتواصل حياتها من أجل أسرتها الصغيرة، بتماسكٍ وصبر.

التحية لهن، والتحية لنساء الأرض قاطبة، وللأمهات في معسكرات النزوح في السودان، وكل بقاع الدنيا: السودان، سوريا، لبنان، اليمن الجريح.

التحية للنساء، أوتاد الأرض، حمّالات الأسى، معلمات الحياة، ومدارس الصبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى