خمس نقاط أساسية لفهم صعود مجتبى خامنئي من نفوذ خفي إلى المرشد الأعلى الجديد لإيران

نقلاً عن صحيفة تايمز أوف إنديا
بعد اغتيال علي خامنئي، ظهر اسم نجله مجتبى خامنئي فجأة على رأس هرم السلطة في إيران، ليصبح المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية. هذا التحول السريع أثار اهتماماً واسعاً في الأوساط الدولية، وطرح تساؤلات كبيرة حول مستقبل النظام الإيراني واتجاهاته السياسية خلال السنوات المقبلة.
تعيين مجتبى جاء عقب وفاة والده الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود وشكل ملامحها السياسية والعسكرية والفكرية. وعلى مدى سنوات طويلة، ظل مجتبى شخصية غامضة نسبياً، نادراً ما يظهر في العلن أو يتحدث إلى وسائل الإعلام، إلا أن اسمه ظل مرتبطاً بنفوذ واسع داخل دوائر الحكم.
واليوم، ومع توليه منصب المرشد الأعلى، أصبح صاحب السلطة الأبرز في إيران، حيث يمتلك نفوذاً مباشراً على القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والسلطة القضائية، إضافة إلى تأثيره العميق في رسم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد.
ويمثل وصوله إلى هذا المنصب تحولاً مهماً في بنية السلطة الإيرانية، وأثار جدلاً حول ما إذا كان النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية يسير نحو شكل من أشكال الوراثة السياسية، وهو أمر كانت الثورة الإيرانية 1979 قد سعت أساساً إلى إنهائه عندما أطاحت بالنظام الملكي السابق.
النشأة والخلفية الدينية
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، وهي واحدة من أهم المدن الدينية في إيران وتقع في شمال شرق البلاد. نشأ في أسرة ذات نفوذ كبير داخل النظام السياسي، باعتباره ابن علي خامنئي الذي أصبح لاحقاً المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.
وكما هو الحال مع العديد من أبناء النخبة الدينية في إيران، اتجه مجتبى منذ شبابه إلى دراسة العلوم الدينية. فالتحق بالحوزات العلمية في مدينة قم، التي تُعد المركز الأبرز للدراسات الإسلامية الشيعية في البلاد.
هناك درس الفقه الإسلامي وعلم الكلام، وهو ما أتاح له الانخراط في المؤسسة الدينية التي تشكل أحد أعمدة النظام السياسي الإيراني. ورغم هذا المسار الديني، لم يُعرف مجتبى على نطاق واسع كخطيب بارز أو مرجع ديني مؤثر، بل اكتسب سمعة كاستراتيجي سياسي يعمل خلف الكواليس.
نفوذ هادئ لكنه مؤثر
على الرغم من أنه لم يشغل منصباً حكومياً رسمياً لفترة طويلة، فإن كثيراً من المحللين يعتقدون أن مجتبى خامنئي كان يمتلك تأثيراً كبيراً داخل مكتب المرشد الأعلى.
وقد وصفه بعض المراقبين بأنه كان بمثابة “حارس البوابة” لوالده، حيث كان الوصول إلى المرشد الأعلى يخضع لإجراءات دقيقة، وكان يُعتقد أن مجتبى يلعب دوراً رئيسياً في تحديد من يمكنه مقابلة والده وما هي القضايا التي تُعرض عليه.
هذا الدور غير الرسمي ساعده مع مرور الوقت على بناء شبكة علاقات قوية داخل النخبة السياسية الإيرانية. فقد أقام صلات وثيقة مع عدد من كبار رجال الدين والمسؤولين الأمنيين، إضافة إلى قادة الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد أحد أقوى المؤسسات في البلاد.
ويمتلك الحرس الثوري قدرات عسكرية كبيرة ونفوذاً اقتصادياً واسعاً داخل إيران، ويعتقد كثير من المحللين أن العلاقة الوثيقة بين مجتبى وقادة هذه المؤسسة أسهمت في تعزيز موقعه داخل بنية السلطة.
الجدل والاتهامات
لم يخلُ اسم مجتبى خامنئي من الجدل، خاصة لدى المعارضين للحكومة الإيرانية. فقد برز اسمه بشكل واضح خلال الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2009.
واتهمته شخصيات من المعارضة بلعب دور في دعم إعادة انتخاب الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد، والمساعدة في تنسيق رد السلطات على المظاهرات التي اجتاحت البلاد.
وقد عُرفت تلك الاحتجاجات على نطاق واسع باسم “الحركة الخضراء”، وكانت من أكبر موجات الاحتجاج في إيران منذ الثورة الإسلامية. كما تعرضت حملة القمع التي أعقبتها لانتقادات دولية واسعة.
وفي عام 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مجتبى خامنئي، متهمة إياه بتمثيل مصالح والده والمساهمة في سياسات تحد من الحريات السياسية داخل البلاد.
لكن مؤيدي القيادة الإيرانية يرفضون هذه الاتهامات، ويعتبرونها جزءاً من ضغوط سياسية تمارسها الدول الغربية على طهران.
التكهنات حول الخلافة
على مدى أكثر من عشر سنوات، تكرر الحديث في الأوساط السياسية والدبلوماسية عن احتمال أن يخلف مجتبى والده في منصب المرشد الأعلى.
وكان هذا الاحتمال يثير جدلاً واسعاً، لأن النظام السياسي الإيراني مصمم نظرياً لمنع انتقال السلطة بشكل وراثي. فالدستور ينص على أن اختيار المرشد الأعلى يتم عبر مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية تتكون من كبار رجال الدين وتملك صلاحية اختيار أعلى سلطة في البلاد والإشراف عليها.
ومع ذلك، فإن قرب مجتبى من مركز القرار وعلاقاته الوثيقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية جعلت كثيراً من المراقبين يعتقدون أنه كان يُهيئ نفسه تدريجياً لخلافة محتملة.
وقد حذر منتقدوه من أن انتقال السلطة بهذه الطريقة قد يرسخ ما يشبه السلالة السياسية داخل النظام، وهو ما يتناقض مع المبادئ التي قامت عليها الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام محمد رضا بهلوي.
صلاحيات المرشد الأعلى
مع توليه منصبه الجديد، أصبح مجتبى خامنئي يشغل أقوى موقع سياسي في إيران. فعلى عكس رؤساء الدول في العديد من الأنظمة السياسية، يتمتع المرشد الأعلى في إيران بسلطات واسعة تشمل مختلف مؤسسات الدولة.
فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويشرف على السلطة القضائية، كما يمتلك صلاحية تعيين عدد من أهم المسؤولين في البلاد، بما في ذلك القادة العسكريين ورؤساء وسائل الإعلام الحكومية.
إلى جانب ذلك، يلعب المرشد الأعلى دوراً محورياً في تحديد السياسة الخارجية لإيران، وكذلك في رسم استراتيجيتها النووية، وهو ما يمنحه تأثيراً يتجاوز حدود البلاد ليطال موازين القوى في الشرق الأوسط.
قيادة في زمن الأزمات
يأتي صعود مجتبى خامنئي إلى السلطة في وقت حساس للغاية بالنسبة لإيران. فالبلاد تواجه تحديات عديدة، من بينها العقوبات الاقتصادية المستمرة، والتوترات السياسية الداخلية، فضلاً عن تصاعد الصراعات الإقليمية.
كما أن العلاقات مع الدول الغربية ما تزال متوترة، خاصة بسبب البرنامج النووي الإيراني ودور طهران في عدد من النزاعات في الشرق الأوسط.
إلى جانب ذلك، شهدت إيران خلال السنوات الماضية موجات من الاحتجاجات الداخلية، تعكس تزايد حالة الاستياء لدى بعض شرائح المجتمع بسبب الأوضاع الاقتصادية والقيود السياسية.
وبصفته المرشد الأعلى الجديد، سيكون على مجتبى خامنئي التعامل مع هذه التحديات المعقدة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دعم المؤسسات الأمنية القوية والنخبة الدينية التي تشكل ركائز النظام.
ولا يزال الخبراء منقسمين بشأن تأثير قيادته على مستقبل إيران. فبينما يرى بعض المحللين أن علاقاته القوية مع الحرس الثوري قد تعزز نفوذ المؤسسات الأمنية داخل النظام، يعتقد آخرون أن خبرته الطويلة داخل دوائر السلطة قد تساعد على الحفاظ على الاستقرار خلال هذه المرحلة الصعبة.
في المقابل، يخشى منتقدوه من أن يقود البلاد نحو سياسات أكثر تشدداً على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وفي جميع الأحوال، فإن فترة حكم مجتبى خامنئي مرشحة لأن تلعب دوراً حاسماً في رسم المسار السياسي لإيران في السنوات المقبلة. وباعتباره المرشد الأعلى الثالث منذ عام 1979، فإنه يرث نظاماً قوياً لكنه معقد، يواجه تحديات داخلية وضغوطاً إقليمية غير مسبوقة، وسيعتمد تقييم قيادته على الطريقة التي يدير بها السلطة الواسعة التي أصبحت الآن بين يديه.





