مفارقة شيخ في معركة الجندر

بقلم : بثينة تروس
ظهر الشيخ التكفيري مختار البدري في ورشة عمل حول مفهوم الجندر في الأمم المتحدة، وسط مشايخ ينظرون إليه بإعجاب، مستبدلاً العصا والسيف بجهاز من نوع آيباد صنعه موظفو شركة أبل الكفار، ذاك الذي طوره ستيف جوبز الذي مات على غير عقيدة الشيخ، كما أن انجاز شبكة الإنترنت هو نتاج مجهودات مهندسي الغرب الكافر، ومن بينهم تيم بيرنرز لي الذي أسهم في هذه الثورة العنكبوتية. وتقعّر الشيخ في حججه لإرهاب موظفي منظمات الأمم المتحدة، دينياً، مجاهدا ضد الجندر رقم 12 مستخدماً المصطلحات الإنجليزية مخاطباً متحدثة ملمة بفروقات علم وبحوث النوع الاجتماعي (الجندر). وقد حاضرهم مؤكدًا أنه يركب الطائرات منذ السبعينيات، مع أن الذين صنعوا وطوروا هذه الصناعة ليسوا رجال الدين ولا الفقهاء. وصرح بأن المصطلح كان يكتب في الاستمارات سابقاً (سيكس)، أما الآن فإن الأمم المتحدة عليها لعنة الله تكتب جندر، لأنها لا تعترف بالـ ميل والـ فيميل، شارحاً البريفيكس، وزاعماً أن الأمم المتحدة (الملحدة) ابتدعت الجندر لأنها تعترف بـراجل، ونص راجل، ونص مرة.

نقول للشيخ نحن هنا لسنا بصدد تفهيمك الدراسات والعلوم المتعلقة بالجندر وبنوده وحقوق المثليين وعلائقها بالمجتمعات بالاقتصاد والسياسة، فقد أوضح لك المؤتمِرون أن الورشة معنية بالمادة التي قدمت. كما حدثكم سابقاً برلمان الإخوان المسلمين المنحل بابلغ من ذلك على لسان القيادية البرلمانية عن دوائر المؤتمر الوطني، البروفيسور سعاد الفاتح البدوي، إذ قالت إن المجتمع السوداني أصبحت تحدث فيه أشياء لا تحدث في الغرب وأوروبا، وأضافت (يتزوج رجل برجل بواسطة مأذون وسط فرح وكواريك، ونحن أنشأنا كياناً سميناه أمن المجتمع) (انتهى، 30 ديسمبر 2013).. وإنما نحن نجد في هذا الانفعال الوعظي فرصة سانحة لطرح أمرين في محورين مختلفين:
أولهما ماذا لديك من حلول من داخل الإسلام لتقدّمها لتلك الشابة والنساء من الحريصات على دينهن، لفك التعارض البادي للعيان بين نصوص الشريعة الإسلامية، التي كانت في غاية الحكمة في سياق القرن السابع، وبين تحديات العصر ومشكلات الإنسانية والمجتمعات المعاصرة؟ وهل يكفي أن يفتتح أئمة الجوامع خطبهم بالقول إن الإسلام كرم المرأة، ثم يختمونها بأن حكمة تشريع التعدد ترجع إلى حفظ الرجال من اتخاذ خليلات لأن (للرجال قوة جنسية تمنعهم من الانتظار لفترة حيض ونفاس النساء)؟ وكيف يعقل أن تساوى شهادة امرأتين بشهادة رجل أمام قاضية في محكمة عليا، ولها حق ان ترفض شهادة أبرز الدعاة في الشؤون الدينية؟ وماذا عن وصاية الرجل على المرأة بحجة الإنفاق وقوة العضل؟ في زمن شار كت فيه رائدة الفضاء كريستينا كوك كأول أمراه في رحلة قمرية ضمن طاقم (أرتميس 2) ؟ وفي واقعنا نساء منتجات منفقات علي الذكور! ثم ماذا عن قوانين الأحوال الشخصية المتخلفة، المستمدة من الشريعة، والتي يرأس محاكمها الشرعية قضاة يفتقرون إلى الكفاءة وقد ابتعدوا عن روح الشريعة وسماحة الأعراف السودانية التي تتباكون عليها اليوم؟ وهل يعلم الشيخ ان هذه القوانيين نفسها تختلف اختلافاً بيناً بين الدول العربية والإسلامية، ذلك تبعًا لاختلاف التفسيرات الفقهية والأعراف المجتمعية؟ فهل تملكون من الورع والعلم ما يفتح الله به عليكم، تحقيقًا لوعده (واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، لتجاوز هذه المفارقة بين روح الدين والتمسك بقشوره، وتقديم مستوى من الفهم الديني يواكب بل ينافس ما يطرحه الغرب ومنظماته؟
أما الأمر الثاني: فما بال الشيخ يناطح منظمات الأمم المتحدة، وبرامجها حول حقوق الانسان، وتدعم التنمية والسلام، وحقوق المستضعفين من النساء والأطفال القصر، وهي بطبيعة الحال تعمل وفق برامجها ومصالحها في بيئات متنازعة بالحروبات، وتقدم برامج توعوية وتعليمية، مدعومة بالمعونات الإنسانية، لا بالسيف والقهر.
ولماذا عجزتم عن إشهار سيفكم في وجه باطل الحرب التي يكبر فيها طرفاها وكل يحسب قتلاه شهداء في الجنة؟ لم نسمع لكم صوتا يعلي من شأن حفظ دماء المسلمين، ولا دعوة صادقة إلى السلام، وهو أصل من أصول الإسلام. أفأسكتت ألسنتكم (الظروف الرئاسية)، أم كبّلتها المحسوبية عن قول الحق فيما حرم الله من بقر بطون الحوامل، وقتل العزل، وإهانة الشيوخ، وجرائم الاغتصاب التي ترتكب بأيدي مسلمين؟ صمتم عن هول وظيفة في الدولة الإسلامية تسمي (اختصاصي اغتصاب) بينما لم يكن بين قضاتها ومشرعيها مثليون، بل يقدمون أنفسهم (إخواناً مسلمين). ولم تفتونا في امر قادةٌ متهمون بجرائم حرب يكافؤون بتسميتهم بأسماء الصحابة وتخضع لهم أعناق مشايخ الدين.
وعلي التحقيق أن الدين، في جوهره، دعوة إلى العدل والرحمة وكرامة الإنسان، لا أداة للترهيب ولا غطاء للصمت عن الظلم. فإن عجز الخطاب الديني عن مواجهة أسئلة العصر، وعن الانتصار للإنسان في ضعفه، فقد بوصلته، وانشغل بقشوره عن روحه، وما أحوجنا اليوم إلى فهم صادق يعيد للدين معناه، ويضعه في صف الحياة والسلام، لا في خصومة مع حقوق الجندر.





