الخرطوم.. منازل تُزال وأحلام تُوارى تحت الركام

أفق جديد

في لحظة تتقاطع فيها أصوات المواطنين مع مبادئ الحقوق الأساسية، تبرز قضية إزالة مساكن بمنطقة أم القرى شمالي مدينة بحري الكدرو شمال بحري بوصفها شهادة حية على هشاشة الحماية التي يتمتع بها المدنيون في مواجهة قرارات إدارية تمس جوهر حقهم في السكن والأمان.

من خلال إفادات مباشرة لسكان متضررين تتكشف تفاصيل ما جرى ليس فقط كإجراء إزالة بل كحدث إنساني واسع الأثر أعاد إنتاج معاناة التشريد في حياة أسر كانت قد أنهكتها الحرب والنزوح من قبل.

تكشف روايات المواطنين عن واقع مركب؛ منازل أُزيلت رغم وجود مستندات رسمية، أسر باتت تقيم في العراء دون مأوى، أطفال حُرموا من بيئة تعليمية آمنة، واستخدام للقوة لتفريق محتجين ما يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الضمانات القانونية والحقوقية في تنفيذ مثل هذه القرارات.

 وفي غياب بدائل واضحة أو آليات إنصاف فعالة، تتحول القضية إلى اختبار حقيقي لالتزام الجهات المعنية بالمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان.

تسعى هذه المادة التي وثقتها “أفق جديد” من قلب الميدان إلى نقل صوت المتضررين كما هو وتحليل أبعاد القضية من منظور حقوقي مع التركيز على حق السكن وواجب الدولة في الحماية ومسؤوليتها في إيجاد حلول عادلة ومستدامة بما يضمن عدم تحوّل السياسات العمرانية إلى مصدر جديد للانتهاك بدل أن تكون أداة للتنظيم والعدالة.

إقامة في العراء

يفيد المواطن شيخ الدين آدم بأن حجم الضرر الذي لحق به أو بأسرته جراء إزالة منزلهم بدعوى السكن العشوائي يُعد كبيرًا من الناحيتين المادية والنفسية. ويوضح أنه يعمل سائق شاحنة، الأمر الذي يضطره للتنقل يوميًا بين ولايات ومدن مختلفة داخل السودان. ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”، أنه تلقى اتصالًا من زوجته تُبلغه ببدء عمليات الإزالة، مما اضطره إلى تسليم الشاحنة لصاحبها والعودة على وجه السرعة.

وأشار إلى أن لديه أربعة أطفال يعانون حاليًا من أوضاع صحية ونفسية صعبة نتيجة فقدان المأوى، حيث تقيم الأسرة في العراء تحت أشعة الشمس الحارقة. كما أفاد بتوقفه عن العمل مؤقتًا، وعدم قدرته على استئجار مسكن بديل لإيواء أسرته، مؤكدًا امتلاكه مستندات تثبت حيازتهم للأرض.

بينما يؤكد المواطن إبراهيم عبد الله بأن عدد (274) منزلًا قد أُزيلت بصورة يراها غير قانونية، رغم امتلاك السكان مستندات رسمية صادرة عن الوحدة الإدارية الكدرو، تشمل شهادات حصر وتسجيل.

ورأى عبد الله في حديثه لـ”أفق جديد”، أن وصف هذه الحيازات بالعشوائية يتعارض مع الإجراءات الإدارية التي تم اتباعها ويُضعف مصداقية الجهات الرسمية المعنية، كما أشار إلى أن قرار الإزالة جاء بصيغة مبهمة، حيث استهدف منطقة مأهولة دون تحديد دقيق للمساحة المعنية. وأضاف أنهم شرعوا في إجراءات تقنين الحيازات لدى الجهات المختصة، وبلغوا مراحل متقدمة في هذا المسار، بما في ذلك متابعة الإجراءات لدى مكتب أراضي بحري شمال، مؤكدًا أنه في ظل هذه الخطوات لا يمكن اعتبار تلك الحيازات عشوائية.

دفن الأحلام

وخلال الفترة الماضية نفذ جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات ولاية الخرطوم حملة إزالة للتعديات العشوائية، بمشاركة القوات النظامية المختلفة، والنيابة العامة، وهيئة المساحة.

من جهتها أشارت المواطنة حواء عبد الغفار إلى أن الأسر المتضررة تعيش منذ تنفيذ قرار الإزالة في العراء تحت أشعة الشمس، في ظل غياب المأوى وحرمان الأطفال من التعليم، حيث دُفنت الكتب والكراسات والأدوات الدراسية تحت الأنقاض.

كما ذكرت في حديثها لـ”أفق جديد”، أنها تعرضت للضرب، وأن ابنتها التي تعاني من مرض الحساسية (وتستخدم دواء الفنتولين) تضررت من إطلاق الغاز المسيل للدموع الذي استُخدم بكثافة لتفريق المحتجين. وأكدت أن الأسرة سبق أن عانت من ويلات الحرب، بما في ذلك النزوح والتشرد، وأنها تواجه الآن معاناة جديدة نتيجة هدم منازلها.

تعكس الإفادات مجتمعة حجم الأثر الإنساني والاجتماعي والاقتصادي الناتج عن عمليات الإزالة، بما يشمل فقدان المأوى، وتعطيل مصادر الدخل، وتأثيرات صحية ونفسية، إلى جانب نزاع قانوني حول وضعية الأراضي وإجراءات تقنينها.

هشاشة الواقع

في بلدٍ أنهكته الحروب والأزمات، لا تبدو مأساة الكدرو حادثة معزولة، بل مرآة تعكس هشاشة الواقع الذي يعيشه آلاف السودانيين في بحثهم عن الأمان والاستقرار. هنا لم تُهدم جدران من الطوب فحسب بل دُفنت تحت الركام أحلام أسرٍ بأكملها، وتبعثرت دفاتر أطفال كانوا يرسمون مستقبلهم على صفحاتٍ انتهت إلى التراب.

إن ما جرى يضع الجميع مؤسسات رسمية ومجتمعًا مدنيًا وإعلامًا أمام مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل، كيف يمكن إعادة التوازن بين ضرورات التنظيم العمراني وحقوق الإنسان الأساسية؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول السكن، وهو حق أصيل إلى مصدر للخوف والتشريد؟ فالقضية لم تعد مجرد نزاع على أرض بل اختبار حقيقي لقيم العدالة والإنصاف في بلدٍ يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترميم إنساني قبل أي إعادة إعمار.

تبقى أصوات المتضررين وهي ترتفع من بين الركام، دعوة مفتوحة لمراجعة السياسات وإنصاف الضحايا وصون كرامة الإنسان السوداني حتى لا تتحول قصص مثل الكدرو إلى فصلٍ متكرر في ذاكرة وطن مثقل بالفقد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى