*واجاب*

السرالسيد
واجاب.. قهوة على الساحل، هو عنوان الكتاب الذي تم تديشنه في مدينة بورتسودان بالمكتبة العامة بتاريخ 18 أبريل 2026، وكلمة (واجاب)، تعني في لغة البداويت (الوعد) والذي هو فعل يحاط في ثقافة البجا بقداسة عظيمة تصل إلى الايفاء به مهما كان الثمن كما اشار الباحث المعروف عبدالله أوبشار في مداخلته في حفل التدشين.
الكتاب من تأليف الصحافي والكاتب محمود الشين المقيم حالياً في كمبالا. صدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار الاجنحة للطباعة والنشر والتوزيع بالخرطوم في العام 2026، ويقع في عدد 172 صفحة من القطع المتوسط شاملة الاهداء والفهرست والتقديم. التقديم للكتاب كتبه الناقد والباحث الدكتور قاسم نسيم.
تميّز محمود الشين بغزارة الانتاج إذ صدر له حتى الآن وفي فترة قصيرة خمسة كتب هي: (قصتي مع اسوأ كارثة في العالم، ونيالا..الناس والاشياء، وجبال النوبة..سنوات الخوف، وامدرمان.. الأمس حلم يعود، وكمبالا..تأملات في لؤلؤة أفريقيا.
يمكن وصف الأسلوب الذي تنهض عليه كتابات الشين بصورة عامة بالسهل الممتنع، فهو يستخدم لغة تقوم على إقتصاديات تراوح بين وضوح التعبير ووفرة المعلومات المحكومين بفكرة اساسية هي النهل من التاريخ الإجتماعي للسودانيين فكتاباته جميعها تحتفي بالامكنة والناس متخذة من تشابكات الثقافة، والسياسة، والتاريخ، والذاكرة، والمكابدة، والأمل، اشرعة للابحار وكيف لا وهي تحتفي بالمستتر والذي في بعضه يكشف عن غني الحيوات السودانية، وفساد السياسة والسياسيات، اقتصادية كانت ام ثقافية، فالشين وفي كل مؤلفاته يطمح لبناء قاعدة للتعارف بين جهات السودان الخمس، كاشفا عن تنوع السودانيين ومشتركاتهم، وكاشفا عن خلل السياسات التنموية، ففي كتاباته حضور للمقاومة، وحضور للثورات، وحضور للحرب والسلام.. حضور للحياة السودانية في تفاعلاتها بحثا عن وطن بأمكانه ان يسع الجميع، لذلك لا تخلو كتاباته من اشارات للتعليم والفنون والاعلام كروافع قادرة علي بناء قاعدة للعيش المشترك اذا وضعت في مسارها الصحيح.
*واجاب*
في مصنفه هذا يبحر بنا الشين علي قارب من السرد المقتصِد ليضعنا هذه المرة وجها لوجه مع شرق السودان،” مدنه/انسانه/ثقافاته/موارده/مشاكله ونضالاته”.
يبدأ الكتاب من حدث واقعي هو رحلة الكاتب مع بعض اصدقائه الي مدينة القضارف بدعوة من منتدي (سحر الجبراكة) لتدشين ديوان (بقينا حبايب) للشاعر اسماعيل الاعيسر. يدخل الشين الي حكايته بتقنية سردية اقرب الي السيناريو السينمائى فهو يصف لحظة التحرك من مركز شباب امدرمان، الي اللاماب بحر ابيض، الي الميناء البري بالخرطوم، حتي تحرك البص متجها الي القضارف وهنا يصف الشوارع ومشاعر رفاقه في الرحلة بسرد تضميني يمزج بين الثقافة والسياسة. يقول في ص 18: (دلفنا عن طرق الشجرة ناحية اللاماب عبر طريق متآكل وردئ جدا، هو الحبل السري الوحيد الذي يربطها بالخرطوم من جهة الشرق، وهكذا تبدو عزلة اللامال في موسم الي الامطار…. الي ان يقول: وهي المنطقة التي قدمت لنا الشاعر الكبير حسن محمد الزبير الذي تعلق قلبه بالضفة الاخري من النهر الخالد).
يمضي الشين في رحلته وعبر 29 عنوانا قام عليها الكتاب ناظرا من نافذة البص ليحكي حكاية الشرق عبر سياق كلي هو السودان متوسلا بالسياسة والاقتصاد والثقافة والتاريخ والذاكرة والفنون، ليتبدي الشرق بتهميشه ومقاومته.. حلمه وامله عضوا في جسد كبير هو السودان ليكون ما اصاب الشرق بعض من تجليات هذا الجسد الكبير ومأزقه مع ملاحظة ان الشين في اشارته للتهميش لا ينطلق من هتافية وتسييس بائس فهو كما قال الدكتور قاسم نسيم في تقديمه للكتاب، (كان عادلا متزنا في كل نقوده، فلا يجاري المشتطين المغالين في المطالب)،ص9، وحول موقع الشرق في الجسد الكبير اشير الي قول الشين في ص 47، عبر اشارته التضمينية الذكية (ان القضارف الجميلة تشبه الي حد كبير الدمازين عاصمة ولاية النيل الازرق في موسم المطر وذلك من حيث الطقس، طبيعة التربة الزراعية وحتي التركيبة السكانية).
*صورة الشرق*
تتوالي مدن الشرق في حكايات الشين، (القضارف/الشوَك/كسلا/سنكات/سواكن/بورتسودان وغيرها) ويحضر الاشتباك بين الثقافة والسياسة والتاريخ من جهة وبين السرد والاسلوب التقريري فتبدو صورة الشرق وكأنها سؤالا كبيرا في الجسد الكلي للوطن، فنقف علي اشارات كثيرة لمؤتمر البجا ونضالاته ولجبهة الشرق ولسلام الشرق ويحضر نظام مايو ونظام الانقاذ، ونقف علي ملاحظات حول السياسات التنموية المجحفة التي حكمت السودان علي اصعدة السياسة و الثقافة والتعليم والاقتصاد والاعلام، كما نقف علي موارد الشرق في الذهب والميناء والتنوع الثقافي والاثني ومع هذا يعاني الشرق من انعدام المياه الصالحة للشرب وانعدام الكهرباء وضعف كبير في الاهتمام بالتعليم وغير هذا من الحقوق الاساسية للانسان والتي بدونها لا تصبح الحياة كريمة، ولكن ومع كل هذا الضنك يضئ الكتاب مناطق مغيبة او معتمة في ابداعات مجتمع البجا فيعرفنا وبكثير من الحب علي الشعراء اونور اوهاج وإركه صابر ومحمد محمود ادم وغيرهم وعلي الباحث محمد نور محمدالحسن ليقف القراء او بعضهم علي ضآلة معرفتهم بهذا الارث الثقافي البجاوي التليد في الحكايات، وفي الغناء، وفي الشعر، خاصة ما نسميه الشعر المقاوِم.
هذه الرحلة القاصدة تمشي علي ارض خشنة، لكن بنعومة، ترصد الخلل، وتناقش محاولات الاصلاح، تكشف التهميش، وتناقش محاولات مقاومته، لتنتهي بنا الرحلة للتعرف علي اقليم وبكل ثرائه يتنفس في الاختناق.
*فقرات من الكتاب*
(في 29 يناير من العام 2005 وقعت احداث دامية كان لها ما بعدها وذلك عندما نظم مؤتمر البجا احتجاجات كبيرة بالداخل وقدم للحكومة مذكرة مطلبية عبرت عن قضايا انسان شرق السودان وهي في مجملها “غياب التنمية والمشاركة السياسية”، غير ان سلطات ولاية البحر الاحمر قد تصدت بعنف للمحتجين وارتكبت بحقهم ما عرف علي نطاق واسع ب(مجزرة بورتسودان)، والتي راح ضحيتها حوالي 32 شخصا من ابناء البجا وسقط منهم 45 جريحا…)ص 82. وفي صفحة 107: (ان اوهاج شاعر عبقري رحل عنا، له الف رحمة ونور، وهو في عز العطاء، وقد عرف في سوح الشرق الكبير، من ابودليق الي شلاتين بمفرداته الرصينة، وكلماته المعبرة عن الخصوصية الاجتماعية للمجتمع البجاوي شديد الثراء. قد لا يعرفه الكثير من الناس ربما لان اروع اعماله الادبية قد كتبت باللغة البجاوية التي كان يعتز بها في كل المحافل، لكن بقيت عباراته المحفزة لاهله في الارياف البعيدة، ومفادها: “ان لا مستقبل لكم دون التعليم والتعلم).
ان قيمة هذا الكتاب تكمن في انه ينظر الي التهميش في سياقه الكلي والذي يعني في ما يعني ان مساءلته ومقاومته لا تخص من يطلق عليهم “الشعوب الاصلية” من سكان الاقليم المهمش، وانما يخص كل سكانه لذلك لم يكن غريبا ان يشير الكتاب الي النضال المشترك بين السودانيين من اجل العدالة والحرية والسلام فقد جاء علي ذكر “التجمع الوطني الديمقراطي”، ولم يكن غريبا كذلك ان يحتفي الكتاب باسماء عاشت ارتبطت بشرق السودان لكن عطرها فاح وعم القري والحضر كالشاعرين الكبيرين النور عثمان ابكر ومحمد عثمان كجراي والروائي بركة ساكن والفنانين عبدالكريم الكابلي ومحمدالبدري وسيدي دوشكا، وبالطبع الرمز السوداني الكبير المجاهد عثمان دقنة.
ان (واجاب)، كتاب يحتفي بالشرق، امكنة، وناسا، وثقافة، ومقدرات، ونضال صبور.





