حكاية من بيئتي (31) يكاد عقلي يذهب

بقلم : محمد احمد الفيلابي
الألم لا يتحدّد فقط بما ينقُصك، بل بما كنت تتوقّع أن تحصل عليه.
ودّ الأستاذ (عبد المنعم) أن يناقش مع تلاميذه المقولة، لكنه وجد نفسه يكتب تحتها شيئاً آخر بذلك الخط المميّز، وقد داعبه أحد زملائه مرة بأن السبورة نفسها تبدو منتشية حين يخط عليها الكلمات المشكّلة بالطباشير الملّون.
مالي أرى الناس قد ذهبوا
إلى من عنده ذهب؟
مرت الدقائق وهم يناقشون المعني ويحلّلونه. وكان أن أكمل أحدهم ما ذكره الإمام الشافعي في وصف حب الناس للمال، حين يميلون إلى من عنده مال، وحين تكون الناس منفضة إلى من عنده فضة، مثلما يذهبون إلى من عنده الذهب.
النهج الذي ابتدعه الأستاذ (عبد المنعم) في استهلال دروس اللغة العربية جعله يقترب كثيراً من أفكار طلابه، والتي لا تشبه أفكارهم حين كانوا في مثل هذا العمر. وقد أيقن أن الدائرة الشريرة (الجهل…الجوع.. الفقر.. المرض) قد أحكمت قبضتها على الريف السوداني، بما في ذلك قرى الشمال التي كانت إلى وقت قريب في نأي عن الأمر. ففي الكثير من المجتمعات الزراعية الريفية، يكون الفقر أو الجوع جزءاً من الإيقاع الطبيعي للحياة.
حيث يعيش الناس ضمن مستوى توقُّعات منخفض نسبياً. فحين يلتفت الفرد حوله ليقارن نفسه بمن هم حوله لا يجد فروقاً، إذ تتشابه الظروف، وتتوحّد قدرات الوصول إلى الموارد، بيد أن التضامن كان كبيراً بالقدر الذي يجعل وخز الحرمان نفسه مقبولاً وهادئاً، ليس لأنه غير مؤلم، بل لأنه مألوف، ومشترك، وتدثّره ثقافة القناعة واليقين والصبر.
كان يؤمن بأن الكلمة قد تغيّر حياة الناس، وأن الطباشير يمكنه أن يشعل شرارة أمل، لكن أمله الشخصي بات يتضاءل يوماً بعد يوم مع اتساع احتياجات أسرته الكبيرة وغلاء المعيشة. إذ ها هي سنوات من التعليم لم تمنحه سوى راتب يتبخّر قبل منتصف الشهر، ويتأخر بسبب الحرب. حتى (احترام المعلم) بدأ يتلاشى كلما ازدادت ضغوط الحياة. كان يظن أن المجتمع سيحمله على الأكتاف، مثلما كان يحمل جيل المعلمين الأوائل في العيون، لكنه بالكاد وجد من يربّت على كتفه.
ومع كل يوم، كان يشعر أن السبورة تضيق، وأن الكلمات التي يكتبها عليها لا تجد طريقها إلى نفسه، دع عنك الآخرين. عدد كبير من طلابه هجروا المقاعد وانضموا إلى قوافل الباحثين عن سد الفجوة في المعيشة لا الثراء. فحين يتلاشى الحلم، ويطبق عليك سقف أحلامك، يكون وجودك داخل المربع حتمياً.. فكل ضلع فيه يغذّي الآخر، إذ يحد الجهل من فرص العمل، فيزيد الفقر. ويمنع الفقر التعليم والعلاج، فيزيد المرض والجهل. ويضعف المرض الإنتاج، فيمنع التعليم، ويزيد الفقر والجوع.
مالي أرى الناس قد ذهبوا؟
ولكن.. هل المشكلة في الناس الذين يذهبون إلى الذهب؟ أم في الظروف التي تجعل الذهب هو الطريق الوحيد للخلاص؟
حين انتشر التعدين الأهلي بالبلاد لم يخطر ببال (عبد المنعم) يوماً أنه سيترك الطباشير ليحمل المعول، ويخلع القميص الأبيض ليرتدي(شُمّارية) مهلهلة. لكنه الجوع الذي لا يفهم المبادئ، والديون التي
لا تحترم الشهادات. وفرص الاغتراب التي باتت تتضاءل يوماً بعد يوم. وفي صباحٍ ثقيل، وجد نفسه بين مجموعة من أبناء قريته، يستعدون للنزول إلى باطن الأرض بحثاً عن الذهب.
وهناك… وسط ضجيج المعدات ورائحة التراب، رأى الشخص الذي لم يتوقّع أن يراه في هذا الموضع. كان أحد طلابه يقف بثقة، يعطي التعليمات، يوزّع المهام، ويحدّد نصيب كل فرد. الفتى الذي كان يطارده بين الصفوف ليعيده إلى مقعده، والذي كان يكتب اسمه في دفتر الغياب أكثر مما كان يكتبه في دفتر الدرجات. ها هو اليوم القائد، ومعلمه مجرد فرد في مجموعته. أحس أن سكين المهانة تنغرس في خاصرته، لا من سواه، بل من نفسه، ومن الصورة التي بناها عن الحياة، من التوقعات التي كانت تقول له إن التعليم يرفع صاحبه، وإن المعرفة لا تُخذل. لكن الواقع كان يقف أمامه كمرآة قاسية أن “للذهب في باطن الأرض قيمة أكبر من الذهب الذي في العقول”.
وبات يردد في سره: “يكاد عقلي يذهب”.
لم يكن الألم جراء العمل الشاق، ولا لأن تلميذه أضحى يقوده، بل كان في الفجوة بين ما كان يجب أن يكون، وما هو كائن. فهل كان مخطئاً لأنه توقّع الكثير من مهنته؟ أم أن المجتمع هو الذي خذل من آمن بأن المعرفة قيمة؟ أم أن النجاح لم يعد يقاس بالطريق الذي نسير فيه، بل بالجرأة على تغييره؟
والمعروف أن اختلال ميزان الاقتصاد بجانب ارتفاع الأسعار، يؤدي إلى تراجع النمو، وزيادة البطالة وعدم الاستقرار المالي، وفي جعل الأستاذ (عبد المنعم) الذي كان يسمع بمهنة التعدين الأهلي يعرف حقيقتها عندما ودّع سبورته، ليلتحق بمن قسّتهم الشمس والرمال والحجارة، وهذا المصير. هناك حيث الصمت الطويل الذي لا يقطعه إلا صوت المعاول، وحيث التنافس الشرس على بقع صغيرة من الأرض، وحيث يخيّم الخوف الدائم من اللصوص، وموظفي المحليات، ومن تطاول الأيام، والانهيارات والمفاجآت التي بلا حد. ليلاً كان يسمع قصصاً عمن وجد ثروة دفعت به إلى حياة جديدة، وآخرين ابتلعتهم الحفر ولم يعودوا، ومن ماتوا جراء لدغات الأفاعي والعقارب والاهمال.
مرت الشهور ولم يظفر الأستاذ (عبد المنعم) إلا بالقليل القليل. وازداد يقينه بأن هذه المهنة ليست طريقاً مستقيماً نحو الثراء، أو حتى سد الرمق كما يظن الناس، بل طريق طويل تتآكل فيه الأعمار قبل أن تلمع ذرة ذهب. لكنه لم يفقد كل الأمل، بل ظل يحتفظ في جيبه بقلم أحمر، يلمسه كلما شعر باليأس، وكأنه يهمس له “ربما نعود يوماً لنصحح الدرب”. وقد أيقن أن ما يبحث عنه ليس ذهباً، بل فرصة حياة كريمة. وأن أصعب الحفر ليس في الأرض، بل في الروح حين تحاول أن تجد مخرجاً. كفه الذي تعود الإمساك بكل ثقة بشتى أنواع الأقلام والطباشير ليرسم الكلمات على السبورة والأوراق، تشقق ونزف الدم، وامتلأت الجروح بالتراب والأوساخ.
في تلك الليلة المقمرة حمل دفتره، وتنحّى قليلاً عن المجموعة وبدأ يكتب، وهو لا يدري أن قدمه المشقّقة قد نالت للتو لدغة عقرب صحراوي قاتلة. ولا يدري أحد كم عانى قبل أن يسلم الروح، لكنهم فجراً وجدوه جثة هامدة، ووجدوا دفتره القديم مفتوحاً على صفحة بيضاء تماماً، إلا من جملة واحدة كُتبت بخطٍّ مرتجف “الذهب لا يغيّر الناس… هو فقط يكشف حقيقتهم.”
وفي الصفحات الأولى أحلام معلم كان قبل شهور يشرح لتلاميذه معنى القناعة، ثم أُجبر تحت سيوف الحاجة إلى الاكتفاء بحلم العودة إلى التدريس. كما وجدوا بدايات لحكايات لم تنته، مع معلومات عن التعدين الأهلي الذي يشكل حوالي 80% من إنتاج الذهب، ومع هذا يعاني الفقراء، فيما تغتني الشركات. كما وجدوا أنه كتب عما يعانيه القطاع من ضعف الرقابة الحكومية والفساد، وأن ولاية (نهر النيل) باتت من أكبر الولايات التي يتركز فيها النشاط، خاصة بعد الحرب، إذ أنها ليست كولايات الغرب أو جنوب كردفان حيث تقل نسبة الأمان الشخصي. أما الأمان البيئي في ظل وجود آلاف الأطنان من مخلفات التعدين الملوثة بالزئبق والسيانيد جراء التخلص العشوائي من المخلفات السامة قرب المساكن فقد ظل يمثل تهديداً مباشراً للبشر والبيئة. وكتب عن الحرب التي دفعت آلاف الشباب للانخراط في التعدين الأهلي، فكم من مزارع (جدع) طوريته، وكم من صاحب مهنة هجر مهنته..
ألا يكفي هو كـ(نموذج)، وقد أنعم عليه المنعم بقسط من التعليم، فامتهن التدريس من أجل كسر ضلع (الجهل) في مربع الأزمة السودانية، وإذا به ينكسر حين يلدغه الإهمال ويمضي. ففي بلادي بدل أن يكون التعليم وسيلة لكسر هذه الحلقة، يصبح المعلّم (كاسر ضلع الجهل) نفسه جزءاً من الحلقة، مكسور الظهر. وهذه ليست حكاية (عبد المنعم) وحده، بل الكثيرين ممن كتبوا أسماءهم في سجلات وكلاء التغيير، بيد أنهم اصطدموا بواقع أكثر عتواً من قدرات الصمود.
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي





