كيف صنعت الحرب نجومية الضجيج والتفاهة

بقلم : حيدر المكاشفي
في البلدان التي تنهار فيها المؤسسات، لا يسقط الاقتصاد وحده، ولا تتشظى السياسة ولا تتدمر البنى التحتية فقط، بل ينهار شيء أخطر وأكثر عمقاً وهو معيار القيمة نفسه، حيث يصبح التافه نجماً والسطحي قائداً للرأي وصاحب الضجيج أعلى صوتاً من صاحب المعرفة. وهذه بالضبط واحدة من أخطر نتائج حربنا العبثية السودانية، أنها لم تدمر المدن والبنية التحتية وتفتك بآلاف الضحايا المدنيين فحسب، بل أطلقت سيلاً هائلاً من التفاهة حتى بدا السودان وكأنه يعيش عصر الانهيار الكبير للعقل العام. الحرب لا تصنع الموت فقط، بل تصنع بيئة مثالية لازدهار الرداءة. ففي أجواء الخوف والفوضى والجوع والنزوح واللجؤ، يتراجع التفكير العميق لصالح الإثارة السريعة، ويتحول الناس من متابعة القضايا الكبرى إلى استهلاك أي شيء يخفف القلق ولو كان سخيفاً وفارغاً. وهنا تتسلل (صناعة التفاهة) باعتبارها تجارة رائجة ومربحة، وسلاحاً سياسياً وأداة لتخدير المجتمع. في السودان ما بعد الحرب، لم تعد التفاهة مجرد حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة عامة تكاد تبتلع المجال العام كله. صفحات ومنصات لا تنتج سوى الصراخ والفضائح والشتائم والسخرية الرخيصة، ومؤثرون صعدوا فوق أنقاض المأساة، يحولون الدم والخراب إلى محتوى لجمع المشاهدات والتبرعات والإعلانات. بينما يغيب العلماء والمفكرون وأصحاب الخبرة في ظلام الإهمال والتجاهل. أصبح المحلل السوداني الذي يكتب تحليلاً عميقاً عن الحرب أو الاقتصاد أو مستقبل الدولة لا يجد عشر ما يجده شخص يصرخ في بث مباشر أو يختلق معركة وهمية على (تيك توك) أو (فيسبوك). صار معيار النجاح ليس ما تقوله أو ما تكتبه، بل كم تستطيع أن تثير الغرائز والانفعالات. وهكذا انتقلت البلاد من أزمة سياسية إلى أزمة وعي. الأنظمة الفاشلة والحروب الطويلة دائماً تحب التفاهة، لأنها تقتل التفكير النقدي. المواطن المنشغل بسفاسف الأمور أقل خطراً من المواطن الذي يسأل لماذا انهارت الدولة ولماذا تستمر هذه الحرب المهلكة والمدمرة ومن سرق البلاد ومن أشعل الحرب ولماذا يستمر الخراب والدمار، لذلك تزدهر التفاهة عادة كلما تراجع التعليم والإعلام المهني والثقافة الجادة. وسودان الحرب اليوم يقدم نموذجاً صارخاً لذلك. بلد كان يُعرف بالنقاشات الفكرية والسياسية العميقة، وبالصحافة الرصينة والمنتديات الثقافية، أصبح غارقاً في موجة هائلة من الابتذال. حتى اللغة نفسها أصابها التلوث، إذ تحولت كثير من المنصات إلى ساحات للسباب والتنمر والتشهير والكذب الرخيص. وكأن الحرب لم تكتفِ بتحطيم البيوت والاعيان المدنية فقررت تحطيم الذوق العام أيضاً. الأخطر أن التفاهة لم تعد مجرد تسلية، بل أصبحت بديلاً عن الحقيقة. إذ صار بعض الناس يستمدون وعيهم السياسي من (الترند)، ومواقفهم الوطنية من فيديوهات قصيرة مليئة بالتحريض والجهل والشائعات. وفي لحظة تاريخية تحتاج إلى أعلى درجات الحكمة والعقلانية، يجري تسليم الرأي العام إلى مهرجي المنصات الرقمية..
لكن السؤال المهم طرحه هنا هو لماذا انتشرت التفاهة بهذه القوة والاندياح تحديداً بعد الحرب، والاجابة ببساطة لأن الحرب دمرت الطبقة المستنيرة، وهي الحامل التقليدي للثقافة والتعليم والتوازن الاجتماعي. ولأن الملايين انشغلوا بالنجاة اليومية، فتراجع الاهتمام بالفكر والمعرفة. ولأن وسائل التواصل الاجتماعي كافأت الأكثر صخباً لا الأكثر قيمة. ولأن غياب الدولة فتح الباب لكل من يملك هاتفاً وإنترنت ليتحول إلى (محلل استراتيجي) أو (قائد رأي) أو (ناشط مؤثر). ثم هناك العامل الأخطر وهو الإحباط الجماعي. فالمجتمعات المرهقة والمصدومة تميل أحياناً للهروب من الواقع عبر السخرية الفارغة والعبث والاستهلاك السريع للمحتوى التافه. إنها آلية هروب نفسي، لكنها تتحول تدريجياً إلى نمط حياة يقتل أي إمكانية للنهوض. ولذلك فإن معركة السودان ليست فقط معركة وقف الحرب وإعادة الإعمار، بل أيضاً معركة استعادة المعنى. معركة إعادة الاعتبار للعقل، للمعرفة، للثقافة، للصحافة الجادة، وللحديث المسؤول. لأن الأوطان لا تنهض وسط الضجيج، ولا تُبنى بالعقول المستعارة من (الترندات.( إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس أن ينتشر فيه الفقر فقط، بل أن يصبح التافه قدوة، والجاهل مرجعاً، والمهرج نجماً قومياً. عندها تتحول الكارثة من أزمة عابرة إلى سقوط حضاري كامل. إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج أيضاً إلى وقف إطلاق التفاهة. لأن الرصاص يقتل الأجساد، أما التفاهة فتقتل الوعي وقتل الوعي هو الهزيمة الحقيقية لأي شعب..




