خيانة الرسالة الجمالية .. عسكرة الفن.. حين يرتدي الفنان خوذة الحرب

بقلم : الهادي الشواف
هذه قضية بالغة الحساسية والعمق لأنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الفن بالسلطة عندما يتحول الفنان من حامل لرسالة جمالية تبشر بالدعوة للحب والحق والجمل وتعبر عن الحرية والوعي إلى أداة في يد خطاب التحشيد للحرب وتمجيد لسلطة العسكر، متجاوزًا إرث الفن التاريخي الذي ظل وعلى الدوام يقف في صف الشعوب ويمثل مرآةً تعكس واقعه ومعولاً يهدم الباطل وصوتًا للعدالة وصرخة ضد القهر والظلم، غير أن المشهد السوداني اليوم يكشف عن مفارقة تاريخية مؤلمة فبدل أن يكون الفن ترياقًا ضد الحرب صار في بعض تجلياته أداةً لتزيينها وتمجيدها وأضحى يرفع رايات الهتاف للعسكر ويبارك خطابات الدم والكراهية وهذا لعمري يعتبر خيانة عظمى لرسالة الفن ومساحات التعاطي الجمالي.
ذلك لأن الفن في جوهره ليس مجرد زخرف جمالي أو ترف ثقافي يزين ليالي الفرح والأنس، ولكنه في الأساس يشكل موقف واضح من الحرب ويمثل صرخة أخلاقية ووعي جمعي يواجه القبح بالمعنى ويقاوم الاستبداد بالجمال، غير أن المشهد السوداني الراهن يكشف عن مأساة مزدوجة مأساة الحرب التي تفتك بالوطن ومأساة الفن الذي انحرف عن رسالته السامية وخان دوره ليقف في صف القتلة ويبارك سلطة العسكر ويزين خطاب الدم.
وفي ذات السياق نجد أن الفن ليس أداة محايدة بل هو فعل وجودي يعبر عن موقف الإنسان من الوجود، والفن الحديث منذ بدايات القرن العشرين لم يعد مجرد إنتاج جمالي يمتع العين أو الأذن أو يحاكي الطبيعة لكنه في الواقع صار موقفًا وجوديًا وأخلاقيًا بامتياز يواجه المأساة الإنسانية ويطرح أسئلة عن الحرية والهوية والعدالة والسلام، فالجماليات لا تنفصل عن القيم والاخلاق ولكنها تجسدها فحين يغني الفنان فهو لا يطلق مجرد أصوات لكنه يعلن موقفًا من الحياة، وعندما يكتب المسرحي نصًا فهو لا يروي حكاية عابرة بل يعالج مسألة جوهرية ويطرح سؤالًا عن معنى الوجود يقدم رؤية للحياة ويبث وعيًا مغايرًا، وكذلك الفنان التشكيلي يضع في لوحتة خبرته وفكره، والشاعر يمثل صوت، والممثل يعتلي خشبة المسرح ليقدم موقفًا من العالم يعلن فيه انحيازه للحرية ضد الاستبداد وللسلام لا للحرب للعدالة ضد الظلم أو هكذا يجب أن يكون، لذلك فإن الفن الذي يطبل للاستبداد ويصفق للموت هو فن خان رسالته لأنه اختار أن يكون في خدمة القبح بدل أن يكون مقاومًا له.
اذن بهذا المعنى فأن الفن في جوهره النبيل ليس زينة تعلق على جدار السلطة أو السلطان ولا بوقًا ينفخ في مواكب الدكتاتور ولا طبلة تقرع لللرصاص ولا مسرحا يعرض في ساحات الحرب على اجساد الضحايا، الفن صنو الحرية ولد ليكون ضميرًا حيًا وصوتًا يوقظ الإنسان من سباته ونافذة تطل منها الشعوب على الحرية والعدالة والحب والجمال، ومنذ الأزمنة الأولى كان الفنان الحقيقي يقف إلى جانب المقهورين ينحاز إلى الحياة ضد الموت وإلى الكرامة ضد الإذلال وإلى السلام ضد الحرب، لذلك يصبح مشهد تسخير الفن في خدمة العنف واحدًا من أكثر المشاهد بؤسًا وانحدارًا عن مشروع الفنان الأساسي.
في السودان حيث قتلت الحرب الانفس وأنهكت المجتمع ودمرت المدن والقرى وقضت على الاخضر واليابس وشردت الملايين وصادرت أحلام الأجيال القادمة، كان المنتظر والمأمول والمتوقع من الفنان أن يكون مرهمًا للجراح ولسانًا للحقيقة وموقفًا أخلاقيًا يرفض اراقة الدماء، لكن المؤسف أن بعض من يحسبون على الوسط الفني اختاروا الضفة الأخرى ضفة قرع طبول الحرب والتمجيد الأعمى لسلطة العسكر وتبرير الانتهاكات وتزيين القتل بأغنيات وشعارات ومشاهد مسرحية خاوية من المعنى الإنساني بحجة الكرامة والدفاع عن الوطن أي كرامة بقتل النفس وأي دفاع عن الوطن بتدميره.
فمن المؤسف رأينا كيف تحولت بعض الأصوات الغنائية والمسرحية إلى أدوات في يد السلطة العسكرية ودمى في يحركها امراء الحرب لتزين افعالهم، فبعض أصوات الفنانين الشجية كانت يمكن أن تكون نشيدًا للحياة لكنها غنت للحرب فحولت اللحن إلى دعاية للسفك الدماء، وبعض المسرحيون بدل من أن يجعلوا خشبة المسرح منبرًا للوعي والنقد وصناعة الجمال جعلوها منصة لتسويق السلطة العسكرية وتأجيج نار الحرب، هذا الانحراف ليس مجرد سطحية في فهم الدور وفحوى الرسالة ولكنه هو سقوط أخلاقي ذات دوي تصن له الأذان، إذ فرط الفنان في أمانة رسالته وحول نفسه إلى معول هدم بدل عن اداة بناء وأصبح شاهد زور على القتل والتدمير والقهر والظلم والاستبداد.
وفي سياق الاصطفاف مع خطاب الحرب وتمجيد السلطة العسكرية القضية لا تعود قضية أفراد ولكنها تصبح دلالة على أزمة أعمق أزمة فهم لمعنى الفن نفسه ومضمون رسالته، ونتيجة طبيعية لعدم الوعي بدور الفنان في المجتمع، فالفنان الذي يضع صوته في خدمة البندقية أو يجعل خشبته منبرًا لتقديس القوة الغاشمة إنما يتخلى طوعًا عن رسالته الجمالية، ويتحول من حامل مشعل الوعي والتنوير إلى موقد لنار الحرب ومطبلا للدكتاتور المستبد، ومن صانع للحب والجمال إلى مروج للحرب والتسلط والقبح، ومن شاهد على العصر إلى موظف في بلاط السلطة وأمراء الحروب، إنه لا يسيس ويعسكر الفن فحسب ولكنه يختزله ويبتذله وينزله من مقامه الرفيع إلى سوق الدعاية الرخيصة.
والشاهد هو أن الحرب لا تحتاج إلى شعراء يزينون وجهها لأنها قبيحة بطبيعة الحال ولا تحتاج إلى مغنين يسكبون الألحان فوق أنين الجرحى وجثث الضحايا وأحزان اهالي المفقودين، لأن الدم لا يرقص على الإيقاع والجثث لا تطرب للحن والمفقود لا يتزوق الموسيقى، والحرب ايضًا لا تحتاج إلى ممثلين يلبسونها ثوب البطولة لأن الخراب لا يصير مجدًا مهما تغيرت الأزياء وتبدل الديكور وأي كان شكل الموسيقى التصويرية وبراعة الصنعة وتجسيد الاداء التمثيلي، ستظل الحرب دمار للمباني والمعاني وخراب للروح وسحق للإنسان وكل من يجملها يشارك ولو رمزيًا في تمديد عمر المأساة.
وفي ذات المنحى فإن تمجيد سلطة العسكر في بلد مثل السودان المثقل بتاريخ طويل من الانقلابات العسكرية والتسلط والاستبداد والقمع ومصادرة الحريات لا يمكن عزله عن جهل سياسي وسطحية فكرية أو عفوية، فالعسكر حين يهيمن على الدولة يضيق المجال العام ويخنق الثقافة ويراقب الكلمة ويلاحق المثقف الحر وتتحول البلاد في ظل حكمه إلى ثكنة عسكرية وسجن كبيرة، فكيف لفنان يعرف معنى الجمال الخيال والانطلاق أن يصفق لمن يحاصر الخيال ويغلق الأفق ويكسر الأجنحة؟ إنه هطل في فهم رسالة الفن حين يظن بعضهم أن الشهرة تعفي من المسؤولية الأخلاقية أو أن التصفيق الجماهيري يغني عن قيمة الموقف أو أن الاقتراب من السلطة مكسب دائم وأن بضع دريهمات السلطان يمكن أن تبني له مجدًا أو سد رمقه، فكم من فنان ارتفع اسمه زمنًا ثم سقط في ذاكرة الناس لأنه باع صوته للجلاد وكم من مبدع عاش فقيرًا أو منفيًا لكنه بقي خالدًا لأنه انحاز للحق.
نعم ياسادة يا كرام الفن الحقيقي لا يقف مع القتلة لا يبارك القصف ولا يصفق للمشانق وزبح الاعناق وبخر البطون ولا قتل الاطفال ولا يرقص فوق أنين الأمهات، الفن الحقيقي يقف مع الطفل الذي فقد حضن الأسرة والاسرة التي تحن إلى منزلها الذي دمر ومع الأم التي تنتظر ابنها المفقود أو المخفي قسريًا، مع الشاب الذي يحلم بوطن لا تحكمه البزة العسكرية ولا يوزع بين أمراء الحرب كأنه ملك خاص لهم، مع المواطن الذي يريد خبزًا وكرامة وسلامًا، الفن الحقيقي يرفع الوعي ويبث الأمان والطمأنينة ويفضح مسوقات الحرب والظلم والاستبداد ويداوي الذاكرة ويزرع الأمل.
ولذلك فإن ما نشهده من انحراف بعض الفنانين نحو تمجيد العسكر وتسعير الحرب ليس مجرد اختلاف في الرأي أو وجهات النظر بل سقوط مدوي في الامتحان الأخلاقي فحين يصطف الفنان مع العنف ضد الإنسان يفقد شرعيته المعنوية حتى وإن احتفظ بالشهرة والأضواء لأن الأضواء قد تخدع الجمهور زمنًا لكنها لا تخدع التاريخ فالتاريخ لا ينسى ولا يرحم ويسجل كل خطوة وكل موقف، سيأتي يوم تطوى فيه صفحات هذه الحرب ويذهب فيه حكم العسكر إلى مزبلة التاريخ، ويقف الناس أمام سجل المواقف يومها لن يسأل الفنان عن عدد حفلاته ولا عن صوره مع أصحاب السلطة وامراء الحرب ولا كم قبض ثمن خيانته ولكنه سيسأل عن أين كنت حين سال الدم؟ ماذا قلت حين احترقت المدن؟ ما موقفك؟ هل كنت صوتًا للناس أم صدى للسلطة وللمدافع؟ ذلك هو السؤال الذي لا تهرب منه الشهرة ولا تخفيه الموسيقى ولا تسقطه الستارة.
الفن الحقيقي هو ثورة هو مقاومة هو وعد بأن الجمال سيبقى أقوى من القبح وأن الحرية ستظل أسمى من الاستبداد وأن السلام ابقى من الحرب وأن صوت الشعب سيعلو فوق صوت المدافع، وأن الجمال مرتبط بالقيم والأخلاق وليست ترفًا فلسفيًا، وجوهر الفن يكمن في ملامسته لقضايا الناس وهذا ما يحدد اصالة الفن ما أذا كان شهادة على الحرية أم دعاية للحرب والقهر، وعليه يبقى السؤال الموضوعي هو هل يقف الفن في صف الحرية والسلام أم يرتدي خوذة الحرب وينحرف ليصبح أداة للقتل والتسلط؟ وبالتالي يخون رسالته الجمالية الخالدة.




