حرب السودان: وطنٌ يتآكل من الداخل

بقلم: عادل يعقوب أحمدنور
منذ إندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد البلاد مجرد ساحة صراع عسكري بين قوتين مسلحتين، بل تحولت إلى جغرافيا مفتوحة للفوضى والانهيار الإنساني والاجتماعي والسياسي. الحرب التي بدأت في قلب العاصمة الخرطوم سرعان ما تمددت كالنار في الهشيم، لتلتهم المدن والقرى والأحلام الصغيرة التي كان السودانيون يخبئونها في صدورهم منذ سنوات الثورة والأمل بالتغيير.
لم تكن الحرب حدثًا مفاجئًا بالكامل؛ فقد سبقتها سنوات طويلة من التشظي الوطني، والصراع على السلطة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتضخم الجيوش الموازية، حتى أصبحت البلاد تعيش فوق فوهة بركان سياسي وأمني. وعندما انفجر الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة الموت والنزوح والجوع، بينما تهاوت الدولة أمام عينيه.
الحرب في السودان لم تقتل البشر فقط، بل قتلت فكرة المدينة نفسها. فالخرطوم التي كانت تعج بالمقاهي والجامعات والأسواق والنقاشات السياسية، تحولت إلى مدينة أشباح؛ المنازل المنهوبة، والمستشفيات المدمرة، والجثث التي تُترك في الطرقات، كلها أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. أما المدن الأخرى مثل نيالا والفاشر وود مدني فقد دخلت هي الأخرى في دوامة العنف والخوف والنزوح الجماعي.
المأساة الأكبر أن هذه الحرب كشفت هشاشة البنية الوطنية السودانية. فالدولة التي فشلت طويلًا في بناء مشروع وطني جامع، عادت إليها الانقسامات القبلية والجهوية والعرقية بصورة أكثر قسوة. وفي ظل غياب الخطاب العقلاني، تصاعدت لغة الكراهية والتحريض، حتى صار السوداني يخاف من أخيه السوداني، وتحوّل الانتماء الوطني إلى سؤال مرتبك وسط ضجيج البنادق.
اقتصاديًا، دفعت البلاد ثمنًا كارثيًا. تعطلت مؤسسات الإنتاج، انهارت الخدمات، توقفت الدراسة، وفرّ ملايين السودانيين إلى دول الجوار أو إلى مناطق أكثر أمانًا داخل البلاد. جيل كامل أصبح مهددًا بالضياع؛ أطفال بلا مدارس، وشباب بلا مستقبل، وأسر تفترش مخيمات النزوح تحت رحمة المنظمات الإنسانية.
ورغم هذا السواد، ما يزال السودانيون يتمسكون بخيط رفيع من الأمل. ففي قلب الدمار ظهرت نماذج مذهلة للتكافل الشعبي؛ لجان مقاومة، ومتطوعون، وغرف طوارئ، وأطباء يعملون بلا إمكانيات، ومواطنون يقتسمون آخر ما يملكون مع النازحين. هذه الروح الإنسانية تؤكد أن السودان، رغم جراحه العميقة، لم يفقد تمامًا قدرته على الحياة.
إن إنهاء الحرب لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة، بل إلى مراجعة شاملة لفكرة الدولة السودانية نفسها: دولة تقوم على العدالة والمواطنة، لا على الامتيازات والسلاح والهيمنة. فالحروب لا تنتهي حقًا بتوقف الرصاص، بل حين يشعر الناس أنهم متساوون في وطن يحميهم جميعًا.
السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن يتعلم من رماد هذه الحرب ويعيد بناء نفسه على أسس جديدة، أو يظل يدور في الحلقة الجهنمية ذاتها؛ انقلاب، فوضى، حرب، ثم هدنة قصيرة تسبق انفجارًا جديدًا.
ويبقى السؤال المؤلم: كم حربًا يحتاج السودان حتى يقتنع الجميع أن الوطن أكبر من السلطة، وأن الخراب حين يبدأ لا يختار ضحاياه؟





