وطنٌ في انتظار رجال دولة: السودان من شتات السياسة إلى رحاب المؤسسة

بقلم: طارق فرح

في أبسط تعريفاتها، السياسة هي فن إدارة شؤون الدولة وتنظيم حياة الناس عبر قراراتٍ تصبّ في المصلحة العامة. أمّا “السياسي” فهو من يعمل في هذا الفضاء، ساعيًا إلى السلطة أو التأثير فيها. غير أنّ الفارق الحقيقي لا يظهر في الألقاب، بل في العمق: كل رجل دولة هو سياسيٌّ بالضرورة، لكن ليس كل سياسي رجلَ دولة؛ فالأول يبني للأجيال القادمة، بينما يكتفي الثاني بإدارة يومه والنجاة بلحظته.

في السودان، لم تكن المعضلة يومًا نقصًا في السياسيين، بل فائضًا مُربكًا منهم. فمنذ عقودٍ متطاولة، تعاقبت النخب السياسية تحت لافتاتٍ وشعاراتٍ متبدّلة، غير أنّ جوهر الممارسة ظلّ ثابتًا لا يتزعزع: السلطة غايةٌ في ذاتها، لا وسيلةٌ لبناء وطن. وتحولت السياسة إلى ساحة صراعٍ مفتوحة، وتراجع المشروع الوطني الجامع حتى اضمحلّ، وأصبح الانقسام القبلي والجهوي ورقةَ لعبٍ تُوظَّف، لا جرحًا يُداوى.

والحق أنّ السودانيين، في أصلهم، ليسوا شعبًا منقسمًا كما تُصوّره خطابات الأزمة، لكنهم وُضعوا طويلًا داخل معادلات سياسية ضيقة، تُغذّي الخلاف وتُكافئ الولاء على حساب الكفاءة والجدارة. ومع غياب رجل الدولة، يتقدّم السياسي الذي يُجيد إدارة اللحظة، لكنه يعجز عن حراسة المستقبل. هنا بالضبط تقع المفارقة المؤلمة: وفرةٌ في الفاعلين، وشُحٌّ في الرؤية.

ورغم هذا التعثّر الطويل، لم يخلُ تاريخ السودان من شخصياتٍ اقتربت من روح الدولة الحقيقية، لا لأنها كانت معصومةً من الأخطاء، بل لأنها امتلكت مشروعًا وطنيًا يتجاوز المصالح الضيقة والحسابات العابرة. فقد مثّل إسماعيل الأزهري لحظةً وطنية كان فيها الاستقلال مشروع دولة لا مكسب سلطة، بينما قدّم محمد أحمد المحجوب نموذج السياسي المثقف الذي جمع بين الفكر والدبلوماسية والرؤية الوطنية.

ثم جاءت تجارب لاحقة حملت، بدرجات متفاوتة، ملامح رجل الدولة؛ فارتبط اسم الشريف حسين الهندي بالموقف السياسي الصلب والدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الحكم العسكري، خصوصًا بعد انقلاب جعفر نميري 1969، حيث ظلّ مؤمنًا بأن الوطن أكبر من السلطة، وأن السياسة موقفٌ أخلاقي قبل أن تكون مكسبًا سياسيًا.

كما برز الصادق المهدي بوصفه أحد أكثر السياسيين السودانيين حضورًا في قضايا الديمقراطية والتعددية، رغم الجدل الكبير الذي أحاط بتجربته، فيما طرح جون قرنق مشروع “السودان الجديد”، كمحاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة لا الامتيازات التاريخية أو الهويات الضيقة.

لكن مأساة السودان أنّ هذه النماذج ظلّت استثناءات متفرقة داخل بيئة سياسية هشة، لا داخل مؤسسات راسخة قادرة على حماية الفكرة الوطنية من الانهيار مع كل انقلاب أو حرب أو انتقال سياسي مضطرب. ولذلك، ظلّت البلاد تدور في الحلقة ذاتها: إعادة تدوير الأزمة، وإنتاج الانقسام، حتى أصبحت الحرب بما تحمله من خطابٍ قبلي وشحنٍ عنصري امتدادًا طبيعيًا لمسار سياسي طويل افتقر إلى أسسه الصحيحة.

حتى القوى المدنية التي حملت لافتة التغيير لم تنجُ من هذا المأزق؛ فقد شهدت التحالفات السياسية انقساماتٍ وتشظيات متكررة، في مشهد لا يعكس مجرد خلافات تنظيمية عابرة، بل يكشف أزمةً أعمق في التأسيس لمشروع وطني جامع. وحين تعجز القوى المدنية عن الحفاظ على وحدتها، فإنها دون أن تدري تُعيد إنتاج ذات النموذج الذي تنتقده: سياسةٌ بلا بوصلة، وتحالفاتٌ بلا صلابة.

بيد أنّ جوهر الأزمة لا يقتصر على النخب المدنية أو الحزبية؛ فهو يمتدّ إلى بنية الدولة ذاتها، وفي القلب منها المؤسسة العسكرية. فلا يمكن الحديث عن دولة مستقرة في ظل تعدد الجيوش وتشتّت الولاءات. إن المدخل الحقيقي لأي مشروع وطني جاد يبدأ بتوحيد الجيوش في جيش قومي واحد، مهني ومحترف، يخضع للسلطة المدنية، ويتبرّأ كليًا من العمل السياسي والاقتصادي، ليتفرّغ لرسالته الأصيلة: حماية الوطن وصون حدوده، لا التنافس على موارده أو الهيمنة على قراره.

فالجيوش حين تدخل السياسة تُضعف الدولة، وحين تنخرط في الاقتصاد تُفسد السوق، وحين تتعدد تُهدّد وحدة البلاد. ولذلك، فإن إعادة بناء السودان تمرّ حتمًا عبر إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية، ووضعها في موقعها الطبيعي داخل دولة مدنية حديثة، كما في كل الديمقراطيات التي نهضت من رماد الحروب والانقسامات.

وبالتوازي مع ذلك، لا تقوم ديمقراطية حقيقية بغير أحزاب سياسية قوية، مؤسسية، وقادرة على الصمود؛ أحزاب لا تُبنى على الولاءات الشخصية والطائفية والتحالفات الهشّة، بل على برامج واضحة، ورؤى استراتيجية، وقدرة راسخة على إدارة الاختلاف دون انهيار. فالديمقراطية لا تُصان بالشعارات، بل بمؤسسات سياسية ناضجة تصمد أمام الامتحانات الكبرى، لا أن تتفتّت عند أول اختبار.

اليوم، وبعد سنوات الحرب والانقسام والنزوح، لم يعد السؤال الجوهري: من يحكم السودان؟ بل صار: كيف نُنقذ معنى الدولة ذاتها؟ كيف ننتقل من واقعٍ تُدار فيه السياسة بالأزمات، إلى واقعٍ تُبنى فيه الدولة بالرؤية والإرادة والتضحية؟

إن السودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من السياسيين الذين يُتقنون فن البقاء، بل إلى رجال دولة يُؤسّسون لمعنى البقاء ذاته. رجالٌ يرون في الوطن مشروعًا يُشيَّد، لا سلطةً تُقتسم؛ وفي الاختلاف ثراءً يُدار، لا خطرًا يُستثمر.

فإمّا أن يختار السودانيون طريق الدولة بجيشٍ واحد، وسياسةٍ راشدة، وأحزابٍ قوية وإمّا أن يظلوا أسرى دائرةٍ مفرغة تُعيد إنتاج الأزمة، جيلًا بعد جيل، حتى لا يبقى من الوطن غير اسمه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى