العبث القضائي في زمن الحرب.. القانون كواجهة لتصفية الحسابات 

حيدر المكاشفي 

في بورتسودان، حيث لجأت السلطة بجسد الدولة وتركَت عقلها خلفها، تعقد محاكمات يفترض أنها تبحث عن العدالة، لكنها في الواقع تبحث عن رواية. رواية تخفف عبء الفشل، وتوزع وزر الحرب على كل من لا ولم يحمل السلاح، أو حمله ثم خرج عن الطاعة. هكذا وبدون أدنى حرج قانوني، تضم قوائم الاتهام أسماء مدنية بارزة، على رأسها عبد الله حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة، قبل أن تبلغ المحاكمة ذروة العبث بإدراج اسم محمد حمدان دقلو، مؤسس وقائد قوات الدعم السريع، بصفته (متعاوناً) مع القوة التي أنشأها ويقودها. حتى هذه النقطة قد يظن القارئ أننا أمام إجراء قانوني (أو شيء يشبهه) لولا أن قائمة المتهمين سرعان ما تسقط آخر أوراق المنطق، وتفتح الباب واسعاً للسخرية السوداء. القائمة تضم، بكل ثقة، عبد الله حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة، رمزاً مدنياً لم يُعرف عنه حمل بندقية ولا إدارة مليشيا، ثم  ولزيادة جرعة العبث يُدرج اسم محمد حمدان دقلو (حميدتي) نفسه، مؤسس الدعم السريع، وصاحب الجلد والرأس، والمتهم الأول في نظر العالم كله بكونه الدعم السريع ذاته. هنا لا يسع المرء إلا أن يتساءل، هل تحاكم المحكمة الدعم السريع بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وهل نحن أمام أول قضية في التاريخ يُدان فيها الفاعل الأصلي بصفته (متعاوناً) مع نفسه، هذه ليست محاكمة، بل نكتة ثقيلة الدم، تروى بوجه جاد، وتقرأ بمرارة.. منذ هذه اللحظة لا يعود السؤال من المتهم، بل أي نوع من المحاكم هذه، وهل نحن أمام إجراء قضائي أم تمرين سياسي متأخر، يراد له أن يعيد كتابة الوقائع بعد أن عجز عن تغييرها على الأرض.. هذه المحاكمة في جوهرها ليست استثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المحاكمات العبثية التي عرفها السودان، حيث يُستدعى القانون لا لكشف الحقيقة، بل لتأديب الخصوم، وتبرئة السلطة من مسؤولياتها، وإعادة إنتاج أزمة الدولة نفسها بلغة قضائية.وفي هذا الصدد ليس بعيد عن مشهد العبث القضائي بل في قلبه محاكمة الدكتور صيدلي احمد الشفا وآخرين، فمحاكمات بورتسودان ودنقلا وغيرها لا ولم ولن تسعى إلى العدالة بقدر ما تسعى إلى إنتاج رواية سياسية، رواية ساذجة لكنها ضرورية لمن يريد تبرئة نفسه من الخراب الشامل. ففي هذه الرواية، لا مسؤولية تقع على من امتلك السلاح والقرار، بل على المدنيين، والخصوم السياسيين، وأحياناً على الحلفاء السابقين عندما تنتهي صلاحيتهم. وهذا المشهد ليس جديداً على السودانيين. الذاكرة السياسية مثقلة بمحاكمات شبيهة، أُريد لها أن تكون استعراضاً للقوة لا ميزاناً للحق. نتذكر محاكمات طالت الحاج آدم حين كان من قيادات المؤتمر الشعبي الذي نشرت النيابة صوره باعتباره مجرما هاربا ومطلوبا للعدالة ولكنه حين ظهر لم يظهر وهو مخفورا بالشرطة بل وهو يتربع على كرسي نائب الرئيس بالقصر الجمهوري، ثم مالك عقار، وغيرهم، حيث كان الاتهام جاهزاً قبل التحقيق، والحكم مكتوباً قبل المرافعة، والقاضي يؤدي دور الكومبارس في مسرحية سيئة الإخراج. في كل تلك الحالات لم يكن السؤال ماذا حدث، بل من نريد إدانته اليوم، إنها عدالة حسب الطلب فالعدالة الحقيقية عمياء، أما هذه العدالة فهي حادة البصر، ترى خصومها بوضوح مذهل، لكنها تصاب بعمى مفاجئ كلما اقتربت من مراكز القوة الحقيقية. وهي عدالة مرنة إلى حد الإعجاز تتسع لإدانة رئيس وزراء مدني غادر البلاد، وتضيق عن مساءلة منظومة كاملة صنعت الحرب ومولتها وأدارتها.. الأخطر من السخرية هو ما وراءها، تحويل القضاء إلى أداة سياسية لا يسيء للضحايا فقط، بل يهدم ما تبقى من فكرة الدولة. فالدولة التي تحاكم خصومها بالهوى، وتبرئ نفسها بالخطابة، إنما تحفر قبرها القانوني بيدها. إن محاكمات بورتسودان ودنقلا وغيرها لن تصنع عدالة، ولن تقنع أحداً، ولن تعيد للسودان كرامته المهدورة. هي مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من العبث السياسي، حيث يعاد تدوير الفشل في شكل اتهامات، وتغلف الكارثة بورق قانوني رخيص.. وفي بلد اعتاد مثل هذه المشاهد، لم تعد المفارقة في غرابة الاتهام، بل في أن من يصوغونه ما زالوا يتوقعون من الناس أن يصدقوه.. وفي المحصلة يمكن القول اجمالا إن هذه الخطوة تحمل أكثر من دلالة ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد، لكنها تعكس بوضوح طبيعة المرحلة السياسية والقانونية التي يمر بها السودان بعد الحرب، فمن حيث التوقيت وحجم القضية (أكثر من 200 متهم، بينهم قادة عسكريون وسياسيون مدنيون بارزون)، فإن المحاكمة تبدو رسالة سياسية تجري محاولة تمريرها عبر إجراء قانوني. فجمع هذا الطيف الواسع من الخصوم في دعوى واحدة يثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كانت النيابة تسعى فقط لإعادة رسم المشهد السياسي وإقصاء فاعلين بعينهم. ايضا يمكن اعتبار الخطوة محاولة لتكميم الأفواه، خاصة مع إدراج شخصيات مدنية معروفة بمواقفها السياسية المعارضة للحرب، لم تعرف عنها مشاركة مباشرة او غير مباشرة في أعمال عسكرية. في هذه الحالة، تتحول العدالة من أداة إنصاف إلى أداة ردع سياسي، وهو ما يضعف الثقة في استقلال القضاء حتى لو كانت بعض التهم الموجهة لآخرين (قيادات الدعم السريع) خطيرة ومثبتة. كذلك يمكن قراءة هذه المحاكمة باعتبارها وسيلة ابتزاز سياسي أو ضغط، سواء على المتهمين أنفسهم أو على حواضنهم الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل صراع الشرعيات ومحاولات كسب الاعتراف الخارجي. ففتح ملفات ثقيلة مثل الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية تعتقد السلطة القائمة انها توفر لها أوراق تفاوض قوية، حتى قبل صدور أي أحكام. وبالضرورة لا يمكن استبعاد المحاكمة من أن تكون بالونة اختبار، اختبار لردود الفعل الداخلية (الشارع، القوى السياسية، المؤسسة القضائية) والخارجية (المجتمع الدولي، المنظمات الحقوقية). فإذا واجهت الخطوة رفضا واسعا أو ضغوطا دولية، قد يتم تجميدها أو تفكيكها تدريجيا أما إذا مرت دون كلفة كبيرة، فقد تتحول إلى نهج دائم في إدارة الصراع السياسي.. والخلاصة في تقديري ان هذه المحاكمة تقف عند تقاطع القانون والسياسة والحرب ولا يمكن أن تكون خطوة نحو العدالة الحقيقية، وتبقى فقط كأداة صراع لا كمسار عدالة مهما ادعوا غير ذلك.. محكمة تبحث عن منطق… فلم تجده..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى